الأستاذ : ذ.سليمان بن الريشة-إسبانيا
نقلا عن موقع عمران
غالبا ما تتناول الدراسات والبحوث علاقة الإسلام والغرب من موقع التوازنات الدوليـــة، واعتبار الإسلام كمعطى خارجي وبالتالي دراسة العلاقة بين العالم الإسلامي والغـرب.وذلك ضمن دائرة حوار الأديان والحضارات والمصـالح المشتركة أو ضــمن دائرة صــراع الحضارات.
هذه الورقة تحاول أن تقدم الإسلام كقضية أوربية-أوربية،كمعطى داخلي يشكل إلى جـانب الثقافات والديانات الأخرى النسيج الإجتماعي الأوربي. وبالتالي فنحن نتحدث عن قضايــا الحوار الأوربي-الأوربي، حوار مع الذات، وليس مع الآخــر الذي هو العـالم الإسلامي الجغرافي. ونتحدث عن موقع المسلمــين كمواطنين ضمن الخارطة الأوربية، وما هــي مقترحاتهم ومساهمتـهم من داخل النسـق وليس من خارجه.
وبما أن التعبير عن الإسلام وقضايا المسلمين في الغرب-عادة ما يتم الإستماع إليه من خلال وسائط إجتماعية غريـــبة عن ثقافــة الإسلام التسامحية والإنسانية أو من خلال الروئ المتعددة والإتجاهات المختلفة ضمن الصف الإسلامي ذاته . فإن هذه الورقة قصدها أن تسلط الضوء على مدرسة العدل والإحسان الأوربية وأن تستنطق رؤيتها في كثير من القضايا التي تشغل الشأن الأوربي.
المبحث الأول :المنطلقات
يتأسس مشروع مدرسة العدل والإحسان في المجتمعات الغربية على خمسة منطلقات أساسية تشكل مجتمعة سياقا إيمانيا متكاملا يسهم في بناء مجتمع إنساني أخوي :
1- سياق ” ثنائية القصد الكوني والقصد الشرعي”
القصد الكوني – أوكما يسميه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين- :”كتاب الله المنظور”أي معرفـة العالم وأحداث التاريخ وسبب حركته والقوى المؤثرة فيه وحركة التدافع البشري في نسق واحد مع الإيمان بسنة الله تعالى الكونية والاجتماعية وحكمته وإرادته المطلقة. قراءة مقصود الله الكونــي تحصن مشروع العدل والإحسان من قوى اليأس والعنف وكراهية العباد في حين تكسـبه قوة الأمل والرحمة واللين والتواصل وتفتح الأبواب على كسـب الأصدقاء في العالم وعلى الاستــفادة من الحكمة الإنسانية .
القصد الشرعي :ما طلبه الله تعالى من عباده المكلفين من العمل بمقتضيات الوراثة النـبوية الكاملة وتجديد معالم الديـن وبناء الخلافة على منهاج النبوة التي يسـعد بها ساكن الأرض وساكن السماء وبناء مجتمع عمراني أخوي.
بين القصد الكوني والقصد الشرعي يروح مشروع العدل والإحسان ويغدو ؛يحدد أهدافه ومواقفه من الزمان والمكان المقصودين بالعمل والتغيير .
2. ”سياق سنة الله أو قاعدة قبول إيماني واحترام عملي لسنة الله"
" مهما كانت الوسائل المتاحة في العصر،فإن حركية التاريخ لا تتغير لثبات الفطرة الإنسانية المغروزة في النفوس،وثبات الحاجات الإقتصادية للإنسان، وثبات الدوافع الإجتماعية والسياسية والإستكبـارية التـي تجمع الفئات العرقية والقبلية والحزبية المصلحية أو المبدئية في تكتلات"(1)
هذه الثوابت في سنة الله تدلنا على ثبات مطلبي العدل والإحسان في مشروعنا، وأن الذي يتغير بتغير الشروط التي وضعها الله عز وجل في المجتمعات،هي مفردات العدل وتطبيقاته الوا قعية.
سنـة الله لا تتغير ولا تتبدل، ولكن الله عز وجل وضع شروطا وقوانين لفهم حركية التاريخ ومـجريات الأمور وتداول الأيام، وأمرنا أن نقبلها إيمانيا،ونستقبلها بإطمئنان قلبي بأن القدرة والقوة المطلقة هي من الله وحده وبأن الهداية بيد الله عز وجل يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وأما الإحترام العملي لسنة الله فيقتضي منا فهم صيرورة التاريخ وتفاعلاته في طمأنينية إيمانية، وانفتاح على التجربة الإنسانية، وتعلم منها دون تقليد أو خضوع أو تلفيق. وهذا الإحترام العملي تجسده خاصـية "المرونة" التي يتميز بها المنهاج النبوي .
الإحترام العملي لسـنة الله يقتـضي كذلك خطاب"الطمـأنة "وأسـلوب الرفق والتدرج، فــي الظــهور للآخر وفي مخاطبته وحواره.
3- سياق ” نفع الخلق"
في الحديث الشريف : ”الخلق عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعـياله” وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد ( يعني مسجد المدينة) شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل " .
"سياق النفع" هو جوهر” الإحسان” في شقيه : الإحسان إلى الخلق والإحسـان إلى الأشياء أو قل إحســان المعاملة وإتقان العمل.
هذا السياق يضع مدرسة العدل والإحسان في غمرة اهتمامـات الناس اليومـية والحيــاتية وانشغالاتـهم الاجتماعية والبيئية والحقوقية والسياسية والاقتصادية والعالمية.
4- سياق "إنسانية الإنسان "
إنّ القضية المحورية في مشروع العدل والإحسان هي إنسانية الانسان واحترامـها، وتعريفـه حقّه تجاه ربّه وبني نوعه .
"إن تكرمة الإنسان، وإنصافه، وكشفَ الظلم عنه، وتحريرَه من العبودية للعباد دينُنا وعقيدتُنا. لنا فـي الموضوع أصالَةُ شَرْعِنَا، لا ننقل نقل البليد من ألواح غيرنا ولا نتنازل عما رسمته شريعتنا. كلمة الله عز وجل تقول: "ولقد كرمنا بني آدم"،[1] وشرحنا العَمَلِيّ لهذا المبدإ القرآني ينبـغي أن يكون إعلاءً لمطمح الإنسانية بالإنجازات العملية لا بالمشاحنات الكلامية".(2)
على أن إنسانية الإنسان "لاتتكامل إلاّ عندما يؤمن أنّ هناك أسماءً من الحقّ والعدل والعفو والرّحمة والإحسان والحبّ والخير والجمال … هي أسماء الله التي سُمِّيت بها ذاته وصفاته وأفعاله ، فيتّجه نحوها ويجسِّد مفاهيمها قيماً سلوكيّة في حياته .
فيصنع الحياة بوحي من تلك القيم ، وبذا تتسامى ذات الانسان نحو الربّانيّة وتكتمل في الربّانيِّين الّذين اتّبعوا الدِّين، لذا يدعونا الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن نحقِّق إنسانيتنا بالتخلّق بتلك الصِّفات التي سمّاها القرآن الحُسنى،فقال:«تخلّقوا بأخلاق الله»."(3)
"هذا هو حق الإنسان الخالد السامي الأسمَى: أن يكون عبدا لله عز وجل، عاملاً للقائه، آملا في جزائه وجنته، خائفاً من عقابه وناره. هذه هي كرامته الآدمية، كل حق يطالِبُ به ما دون ذلك من حقوق الدنيا فهو له حقٌّ شرعي إن كان نيلُه يقربه من غايته الأخروية. ومن حقه أن يجاهد عليه مَانعَه"(4)
5- سياق "الانتماء" أو "استيطان الزمان والمكان"
يدور مفهوم الانتـماء في اللغة على جملة معان منها الزيادة والارتفاع والانتسـاب. فالمصدر في أصــله المجرد(نماء) يدل على معنى الزيادة والارتفاع؛ وفي صيغته الزائدة (انتماء) يدل على الانتساب.
وكلها معان تتظافر لتكون من هذه اللفظة مفهوما متكاملا مبدؤه الانتساب وغايته الارتفاع والسمو.
وورد في معجم العلوم الاجتماعية أن الانتماء هو ارتباط الفرد بجماعة؛ حيث يرغب الفرد في الانتمـاء إلى جماعة قوية يتقمص شخصيتها ويوحد نفسه بها مثل الأسرة أو النادي أو الشركة.
الانتماء هو شعور بالترابط وشعور بالتكامل مع المحيط، الانتماء أساس الاستقرار. والانتماء درجـات بعضها أقوى من بعض وبعضها أوسع من بعض : الانتماء للأسرة أو للمنطقة أوللوطن أو للمجتمع أوللفكر والثقافة أو للحضارة أو للدين أو للإنسانية…وسيـاق الانتماء الذي تتأسس عليه مدرسة العـدل والإحسان هو انتماء المشروع للزمان والمكان الذي يوجد فيهما وتنمية عرى الانتماء الجبلي ( الأسرة، الوطن،المجتمع ،الثقافة ، الانسانية..) وحسن ترشيدها وتوجيهها لتسمو إلى الانتساب لله عزوجل.
" قال اللّه عز وجل يخاطب الناس، دون اعتبار إيمان أو غيره : {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم. إن اللّه عليم خبير} الآية الكريمة تُدرج النشأة الإنسانية على مدراج رشدها : من الذكر والأنثى يخلق اللّه سبحانه الكائن البشري. إنه حضن الأسرة، حنان الأمومة وعطف الأبوة، والغذاء والأمن والتربية. ثم هو الحضن الأوسع الاجتماعي الضروري : الشعب والقبيلة والقوم. هذا وضع فطري، يبقى فطريا إن ارتقى بالإنسان إلى نضج التعارف والتعاون، ثم إلى كرامة الانتساب للّه عز وجل باكتساب التقوى والعمل الصالح."(5)
سياق الانتماء هو انتماء ونماء ؛ هو حركة تربوية سلوكية هادفة ؛هو دينامية متوازنة ومنسقة بين مفردات الانتماء الوطني والأوربي والإنساني في اتجاه الانتساب لله عزوجل.
وهكذا فسياق الانتماء يمنح مدرسة العدل والإحسان عمقا في النسيج الاجتماعي الأوربي وتجذرا في الواقع ومناعة ضد مفاهيم الاغتراب الثقافي والاجتماعي.
ومفردات الانتماء : الهوية ،المواطنة ،المشاركة ،الحوار، التعدد الثقافي والديني …كلها مشاريع عمل لمدرسة العدل والإحسان.
المبحث الثاني :المعطيات
لا تفيد الأفكار والمنظومات الجاهزة إذا لم تستفد من معطيات الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي وتشخصها تشخيصا صحيحا بنظرة متأنية ومرنة ومتعلمة ،حتى يتسنى تحيين الأهداف والبرامج وتنزيلها إلى أرض الواقع والاستفادة مما يمنحه هذا الواقع من فرص النجاح وحرية الحركة.
ودراستنا للواقع واندماجنا في همومه المحلية والعالمية يعطي لمشروعنا هويته الوطـنية والأوربية ويحظى بقبول المجتمع لأنه من عطائه ونتاجه ، وهذه ميزة تميز مدرسة العـدل والإحسان عن غيرها أي تقديرها لعاملي الزمان والمكان وجعلهما مدار العمل، فهي تنصهر وتتوحد مع الزمان والمكان اللذين توجد فيهما دون أن تفقد فاعليتها وأهدافها.
تشكل الحضارة المادية جوهر وروح هذا المعطى – الواقع فهي التي تحكم المجتمع الأوربي وتختار نمط حياته وتحدد خياراته ومقاصده وطبيعة المنافسة بين مكوناته.ولها أشكال تنظم بها السلوك العام (سيادة القانون ،الديمقراطية والتداول،الحريات العامة ،التعدد والاختلاف،حرية التجمع والتنظم…) ،هذه أشكال تنظيمية تخدم سياق "الانتماء" على مدرسة العدل والإحسان أن تحرص على العمل من داخلها والدفاع عنها وحمايتها.
لكن مشروعنا الذي نقترحه على المجتمع يقصد الغايات والمقاصد الكبرى للإنسان وبالتالـي فموضوع التغيير عندنا هو جوهر الحضارة المادية ،هو مصير الإنسان في هذه الحياة الدنيا ثم مآله في الآخرة.
لذلك سأركز البحث في هذه المقالة على المساقات والتوجهات الكبرى للحضارة الغربية:
1- المساق المعرفي
يقول الله عز وجل:{ ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا. وبنــــين شهودا. ومهدت له تمهيدا.ثم يطمع أن أزيد كلا .إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صعودا. إنـه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر ثم عبس وبسر.ثم أدبر واستكبر. فقال : إن هذا إلا سحرا يوثر. إن هذا إلا قول البشر. سأصليه سقر. وما أدراك ما ســــــــــقر}. الآيات 11-27 ( المدثر )
هذه الآيات الكريمة تلخص موقف ومنطق الإنسان الجاحد آيـات ربه،المنكر رسالــة الأنبياء؛المعتد بأنانيته وفردانيته وطاقته وعقله ومـاله ومكتســـباته المادية والعلمية والحضارية.
وقد تجسد هذا في فلسفة ديكارت " أنا أفكر فأنا موجود" وهي الأساس الذي قامـت عليه الحضارة الغربية، تأليه للعقل،وتمرد على الغيب وجبروت على الطبيعة والناس.
مصدر المعرفة الحس والعقل فقط، ولا سلطة فوق سلطان العقل،دعم ذلك قوة الإكتشافات العلمية وقوة المال والسلطـان الإستكبــاريين،فازدادت ثقة الإنســان الجاهلـي فـي عقلانيته،وازدادت معها معاناة الإنسانية، ونزيف الطبيعة منذ أن أطلق فرنسيس بيكــون بيان التدمير: " أن نقهرها (أي الطبيعة) ونخضعها، أن نرجرجها حتى أعمق أعماقها، أن نعصف بقلاعها وحصونها ونحتلها…."(6) ولاحظ هذه المقاربة العدوانية وكأن القوم في حرب.
لكن ما إن أفل القرن العشرون حتى فوجئت هذه العقلانية - في عقر دارها - ببنيانها الحصين - يوما ما - يتهدم وإذا ببديهياتها ومسلماتها تهتز أركانها وعروشها.
لقد ولت "الحتميةّ" و "المطلق العقلي" لتحل محلــها "النسبية" و " اللاحتمية ". وإذا منهج الشك نفسه يتجاوز اليقين العقلي،والثقة الكاملة في العقل إلى اللايقين.
إذ أصبحت العقلانية ذاتها من الأفكار التقليدية كما يقول كارل بوبر .(7)
ويقول إيليا بريغوجين ( الحائز على جائزة نوبل للكيمياء 1977 ) :"إن القرن العشرين قد حول كوكبنا بأكمله من عالم متناه من الحقائق اليقينية إلى عالم لا متناه من الشكوك "(8)
"لقد اصطنع ديكارت قسمة حادة بين الروح والجسد، بين العقل والمادة، فيما بعد أصبـح هذا معتقداً عاما…إن إزاحة الروح من الطبيعة أتاح للباحثين تشريح أوصالها،من قبل كان هذا التفويض ممتنعا احتراما لقدسية الكائن العضوي."(9)
وكما تقول د.ليندا أجين شيفرد:"أما وقد وقفنا على أعتاب النصف الثاني من حـياة العلم، فإننا بحاجة إلى أن نعـيد مجددا طرح السؤال: ما هي أهـداف العلم؟ هل هي التـنبؤ بمسارات الطبيعة وتأمين بقاء الإنسان ؟ تحســـين مستوى معيشة الجنـس البشري ؟ التحكم في الطبيعة ؟ والسيطرة والهيمنة عليها ؟ العيش في وفاق مع الطبيعة ؟ أن نفهم الحقيقة ؟ أن نعرف الله ؟ أن نعرف أنفسنا ؟ المشاركة في إبداعية الخالق؟ أن نرتـقي بتطور الوعي؟(10)
إن العلم يعيش مرحلة أزمة منتصف العمركما تصف هي. ان المعرفة من اجل المعرفة قد جرت على البشرية ويلات ومخاطر كثيرة.
لقد تميز العلم الغربي بالتفكير العقلاني والاحسـاس التجريبي:المعرفة من اجل المعرفة ،انتصار سيـاق المنطق،الحـياد (الموضوعـية) ،القوة والسـيطرة.وأبعد وظيـفـتي الشعور(العاطفية) و الحدس، المدفوعة بحب الطبيعة ،والقيم والغايات العليا،و الاخلاق العامة،و الوعي بالموقف،و البحث عن الحقيقة ، و التلقي من الطبيعة ومن الكون بدل الاستعلاء والاستكبار.
لقد كتب روبرت موريسون (المدير السابق للعلوم الطبية والطبيعية في مؤسسة روكفلر) :
"على مدى ردح من الزمن، طويل إلى درجة مهولة ، و المجتمع العلمي يؤم حياة معينـة لم يضعها موضع التساؤل؛وبكل تواضع يجب الاقرار بأنه من المستحيل بتاتا إنكار اننا قد بلغنا موضعا حيث يجب ان نهجر الاعتقاد بان المعرفة في كل الحالات افضل من الجهل ؛ إننا ببساطة نفتقد الى القدرة على وضع تنبؤات دقيقة"(11)
و عبر د.ديفيد بوم عن مخاوفه لصيرورة العلم فقال:"أما إذا واصل العلم طريقه سائرا في اتجاه لا يعرف الاخلاقيات، فإن العالم في نهاية المطاف سوف يستـجيب للعلم بطريقـة مدمرة"(12)
ونفس الإمتعاض عبر عنه اينشتاين حين صدم بتطبيقات نظرياته البديعة، فقال لإصدقائه :
" إن العلماء كانوا طيورا في أقفاص لها نظام يشجعها على وضع البيض، بـينما يصبح تصريف شؤون البيض امتيازا مقصورا على أهل السلطة "
ويقول اينشتاين كذلك : " هــــذه الكارثة منتج جانبي لتطور العقلية العلمية والتقنية. إننا مذنبون. يسير البشر نحو البرودة أسرع مما يسير إليها الكوكب الذي يعيون فيه". (13)
إننا نحتاج في حضارتنا سريعة الإيقاع إلى وقفة فاصـلة طويلة بما يكفي لنمارس التعقل ووزن الأمور لنتخذ قرارات أخلاقية فردية وجماعية قائمة على أساس السياق وعنصـر الزمن " (14) كما تقول د. ليندا أجين شيفرد .
خلاصة مليئة بالحيرة، وأزمة منتصف العمر يعيشها العلم، ودعوات تعقل بـدل عقلانية. وسياق الموقف بدل سياق المنطق، ودون ذلك دمـار بيئي ومجاعة، وفـقر وظـــلم وحــقد إنساني وحروب وتبديد لخيرات الأرض بقانون السفه والإسراف، ويفتــح الله على العقل الجاهــلي أبواب كل شيء،حتى إذا فرحـوا بما أوتوا أخذهم بغـتة وهم لا يشعرون.
أطلنا الحديث عن هذا المساق المعرفي لأنه الأساس الذي صاغ طريقة التفكير الغـربي البنيوي، وطريقة السلوك الحياتي المادي المفصـول عن الآخرة وعن ما بعد المــوت وعـــن الأخلاق .
إنه بحق يشكل عقبة كبيرة أمام مشروع العدل والإحسان،الرابط بين الحياة والمـوت، بين العلم والإيمان، بين سلطة العقل وسيـادة الوحي، بين الروح والمادة وبين الدنيــا والآخرة . ثم أبرزنا موقف العقول الحائرة المنتقدة من داخل المسـاق ، لنــحدد موقفنا بوضـوح مـن العلم ومساره والتكنولوجيا وآثارها،وحتى لا نكون أقل نضجا من هؤلاء المنتقدين لمسارالعلم والمعرفة والحضارة . بل هذا ميدان مشترك- نعتبره كذلك- يجتمع حـوله العقلاء والحكماء من كل الحضارات من أجل تصحيح مسار العلم وبالتالي مسـار الإنسانية جمعاء؛ولأن العلم - في البداية والنهاية- تجربة إنسانية ليست حكرا على أحد.
2- المساق العولمي :
ننطلق من مفهوم التضـامن أو السيادة، وقد رأينا كيف وصفه فلاسفة غربيون، وصفا دقيقا مركزين على الأسباب الذاتية لانهيار التضامن، سوا
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ