ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير

 
المعتقلون الإثنا عشر... من السجن إلى الحرية


مدرسة العدل والإحسان بأوربا :المنطلقات والمقترحات

كتبهامختارات ، في 22 أكتوبر 2009 الساعة: 12:59 م

الأستاذ : ذ.سليمان بن الريشة-إسبانيا

نقلا عن موقع عمران

غالبا ما تتناول الدراسات والبحوث علاقة الإسلام والغرب من موقع التوازنات الدوليـــة، واعتبار الإسلام كمعطى خارجي وبالتالي دراسة العلاقة بين العالم الإسلامي والغـرب.وذلك ضمن دائرة حوار الأديان والحضارات والمصـالح المشتركة أو ضــمن دائرة صــراع الحضارات.

هذه الورقة تحاول أن تقدم الإسلام كقضية أوربية-أوربية،كمعطى داخلي يشكل إلى جـانب الثقافات والديانات الأخرى النسيج الإجتماعي الأوربي. وبالتالي فنحن نتحدث عن قضايــا الحوار الأوربي-الأوربي، حوار مع الذات، وليس مع الآخــر الذي هو العـالم الإسلامي الجغرافي. ونتحدث عن موقع المسلمــين كمواطنين ضمن الخارطة الأوربية، وما هــي مقترحاتهم ومساهمتـهم من داخل النسـق وليس من خارجه. 

وبما أن التعبير عن الإسلام وقضايا المسلمين في الغرب-عادة ما يتم الإستماع إليه من خلال وسائط إجتماعية غريـــبة عن ثقافــة الإسلام التسامحية والإنسانية أو من خلال الروئ المتعددة والإتجاهات المختلفة ضمن الصف الإسلامي ذاته . فإن هذه الورقة قصدها أن تسلط الضوء على مدرسة العدل والإحسان الأوربية وأن تستنطق رؤيتها في كثير من القضايا التي تشغل الشأن الأوربي. 


المبحث الأول :المنطلقات
 

يتأسس مشروع مدرسة العدل والإحسان في المجتمعات الغربية على خمسة منطلقات أساسية تشكل مجتمعة سياقا إيمانيا متكاملا يسهم في بناء مجتمع إنساني أخوي : 

1- سياق ” ثنائية القصد الكوني والقصد الشرعي” 

القصد الكوني – أوكما يسميه الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين- :”كتاب الله المنظور”أي معرفـة العالم وأحداث التاريخ وسبب حركته والقوى المؤثرة فيه وحركة التدافع البشري في نسق واحد مع الإيمان بسنة الله تعالى الكونية والاجتماعية وحكمته وإرادته المطلقة. قراءة مقصود الله الكونــي تحصن مشروع العدل والإحسان من قوى اليأس والعنف وكراهية العباد في حين تكسـبه قوة الأمل والرحمة واللين والتواصل وتفتح الأبواب على كسـب الأصدقاء في العالم وعلى الاستــفادة من الحكمة الإنسانية . 

القصد الشرعي :ما طلبه الله تعالى من عباده المكلفين من العمل بمقتضيات الوراثة النـبوية الكاملة وتجديد معالم الديـن وبناء الخلافة على منهاج النبوة التي يسـعد بها ساكن الأرض وساكن السماء وبناء مجتمع عمراني أخوي. 

بين القصد الكوني والقصد الشرعي يروح مشروع العدل والإحسان ويغدو ؛يحدد أهدافه ومواقفه من الزمان والمكان المقصودين بالعمل والتغيير . 

2. ”سياق سنة الله أو قاعدة قبول إيماني واحترام عملي لسنة الله" 

" مهما كانت الوسائل المتاحة في العصر،فإن حركية التاريخ لا تتغير لثبات الفطرة الإنسانية المغروزة في النفوس،وثبات الحاجات الإقتصادية للإنسان، وثبات الدوافع الإجتماعية والسياسية والإستكبـارية التـي تجمع الفئات العرقية والقبلية والحزبية المصلحية أو المبدئية في تكتلات"(1) 

هذه الثوابت في سنة الله تدلنا على ثبات مطلبي العدل والإحسان في مشروعنا، وأن الذي يتغير بتغير الشروط التي وضعها الله عز وجل في المجتمعات،هي مفردات العدل وتطبيقاته الوا قعية. 

سنـة الله لا تتغير ولا تتبدل، ولكن الله عز وجل وضع شروطا وقوانين لفهم حركية التاريخ ومـجريات الأمور وتداول الأيام، وأمرنا أن نقبلها إيمانيا،ونستقبلها بإطمئنان قلبي بأن القدرة والقوة المطلقة هي من الله وحده وبأن الهداية بيد الله عز وجل يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.  

وأما الإحترام العملي لسنة الله فيقتضي منا فهم صيرورة التاريخ وتفاعلاته في طمأنينية إيمانية، وانفتاح على التجربة الإنسانية، وتعلم منها دون تقليد أو خضوع أو تلفيق. وهذا الإحترام العملي تجسده خاصـية "المرونة" التي يتميز بها المنهاج النبوي . 

الإحترام العملي لسـنة الله يقتـضي كذلك خطاب"الطمـأنة "وأسـلوب الرفق والتدرج، فــي الظــهور للآخر وفي مخاطبته وحواره. 

3- سياق ” نفع الخلق" 

في الحديث الشريف : ”الخلق عيال الله وأحبهم إليه أنفعهم لعـياله” وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الناس أحب إلى الله؟ وأي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال رسول الله: أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينا، أو تطرد عنه جوعا ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن اعتكف في هذا المسجد ( يعني مسجد المدينة) شهرا، ومن كف غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى يثبتها له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام، وإن سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل العسل " . 

"سياق النفع" هو جوهر” الإحسان” في شقيه : الإحسان إلى الخلق والإحسـان إلى الأشياء أو قل إحســان المعاملة وإتقان العمل. 

هذا السياق يضع مدرسة العدل والإحسان في غمرة اهتمامـات الناس اليومـية والحيــاتية وانشغالاتـهم الاجتماعية والبيئية والحقوقية والسياسية والاقتصادية والعالمية. 

4- سياق "إنسانية الإنسان " 

إنّ القضية المحورية في مشروع العدل والإحسان هي إنسانية الانسان واحترامـها، وتعريفـه حقّه تجاه ربّه وبني نوعه . 

"إن تكرمة الإنسان، وإنصافه، وكشفَ الظلم عنه، وتحريرَه من العبودية للعباد دينُنا وعقيدتُنا. لنا فـي الموضوع أصالَةُ شَرْعِنَا، لا ننقل نقل البليد من ألواح غيرنا ولا نتنازل عما رسمته شريعتنا. كلمة الله عز وجل تقول: "ولقد كرمنا بني آدم"،[1] وشرحنا العَمَلِيّ لهذا المبدإ القرآني ينبـغي أن يكون إعلاءً لمطمح الإنسانية بالإنجازات العملية لا بالمشاحنات الكلامية".(2) 

على أن إنسانية الإنسان "لاتتكامل إلاّ عندما يؤمن أنّ هناك أسماءً من الحقّ والعدل والعفو والرّحمة والإحسان والحبّ والخير والجمال … هي أسماء الله التي سُمِّيت بها ذاته وصفاته وأفعاله ، فيتّجه نحوها ويجسِّد مفاهيمها قيماً سلوكيّة في حياته . 

فيصنع الحياة بوحي من تلك القيم ، وبذا تتسامى ذات الانسان نحو الربّانيّة وتكتمل في الربّانيِّين الّذين اتّبعوا الدِّين، لذا يدعونا الرّسول الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن نحقِّق إنسانيتنا بالتخلّق بتلك الصِّفات التي سمّاها القرآن الحُسنى،فقال:«تخلّقوا بأخلاق الله»."(3) 

"هذا هو حق الإنسان الخالد السامي الأسمَى: أن يكون عبدا لله عز وجل، عاملاً للقائه، آملا في جزائه وجنته، خائفاً من عقابه وناره. هذه هي كرامته الآدمية، كل حق يطالِبُ به ما دون ذلك من حقوق الدنيا فهو له حقٌّ شرعي إن كان نيلُه يقربه من غايته الأخروية. ومن حقه أن يجاهد عليه مَانعَه"(4) 

5- سياق "الانتماء" أو "استيطان الزمان والمكان" 

يدور مفهوم الانتـماء في اللغة على جملة معان منها الزيادة والارتفاع والانتسـاب. فالمصدر في أصــله المجرد(نماء) يدل على معنى الزيادة والارتفاع؛ وفي صيغته الزائدة (انتماء) يدل على الانتساب.

وكلها معان تتظافر لتكون من هذه اللفظة مفهوما متكاملا مبدؤه الانتساب وغايته الارتفاع والسمو. 

وورد في معجم العلوم الاجتماعية أن الانتماء هو ارتباط الفرد بجماعة؛ حيث يرغب الفرد في الانتمـاء إلى جماعة قوية يتقمص شخصيتها ويوحد نفسه بها مثل الأسرة أو النادي أو الشركة

الانتماء هو شعور بالترابط وشعور بالتكامل مع المحيط، الانتماء أساس الاستقرار. والانتماء درجـات بعضها أقوى من بعض وبعضها أوسع من بعض : الانتماء للأسرة أو للمنطقة أوللوطن أو للمجتمع أوللفكر والثقافة أو للحضارة أو للدين أو للإنسانية…وسيـاق الانتماء الذي تتأسس عليه مدرسة العـدل والإحسان هو انتماء المشروع للزمان والمكان الذي يوجد فيهما وتنمية عرى الانتماء الجبلي ( الأسرة، الوطن،المجتمع ،الثقافة ، الانسانية..) وحسن ترشيدها وتوجيهها لتسمو إلى الانتساب لله عزوجل. 

" قال اللّه عز وجل يخاطب الناس، دون اعتبار إيمان أو غيره : {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم. إن اللّه عليم خبير} الآية الكريمة تُدرج النشأة الإنسانية على مدراج رشدها : من الذكر والأنثى يخلق اللّه سبحانه الكائن البشري. إنه حضن الأسرة، حنان الأمومة وعطف الأبوة، والغذاء والأمن والتربية. ثم هو الحضن الأوسع الاجتماعي الضروري : الشعب والقبيلة والقوم. هذا وضع فطري، يبقى فطريا إن ارتقى بالإنسان إلى نضج التعارف والتعاون، ثم إلى كرامة الانتساب للّه عز وجل باكتساب التقوى والعمل الصالح."(5) 

سياق الانتماء هو انتماء ونماء ؛ هو حركة تربوية سلوكية هادفة ؛هو دينامية متوازنة ومنسقة بين مفردات الانتماء الوطني والأوربي والإنساني في اتجاه الانتساب لله عزوجل. 

وهكذا فسياق الانتماء يمنح مدرسة العدل والإحسان عمقا في النسيج الاجتماعي الأوربي وتجذرا في الواقع ومناعة ضد مفاهيم الاغتراب الثقافي والاجتماعي. 

ومفردات الانتماء : الهوية ،المواطنة ،المشاركة ،الحوار، التعدد الثقافي والديني …كلها مشاريع عمل لمدرسة العدل والإحسان. 

المبحث الثاني :المعطيات 

لا تفيد الأفكار والمنظومات الجاهزة إذا لم تستفد من معطيات الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي وتشخصها تشخيصا صحيحا بنظرة متأنية ومرنة ومتعلمة ،حتى يتسنى تحيين الأهداف والبرامج وتنزيلها إلى أرض الواقع والاستفادة مما يمنحه هذا الواقع من فرص النجاح وحرية الحركة. 

ودراستنا للواقع واندماجنا في همومه المحلية والعالمية يعطي لمشروعنا هويته الوطـنية والأوربية ويحظى بقبول المجتمع لأنه من عطائه ونتاجه ، وهذه ميزة تميز مدرسة العـدل والإحسان عن غيرها أي تقديرها لعاملي الزمان والمكان وجعلهما مدار العمل، فهي تنصهر وتتوحد مع الزمان والمكان اللذين توجد فيهما دون أن تفقد فاعليتها وأهدافها.  

تشكل الحضارة المادية جوهر وروح هذا المعطى – الواقع فهي التي تحكم المجتمع الأوربي وتختار نمط حياته وتحدد خياراته ومقاصده وطبيعة المنافسة بين مكوناته.ولها أشكال تنظم بها السلوك العام (سيادة القانون ،الديمقراطية والتداول،الحريات العامة ،التعدد والاختلاف،حرية التجمع والتنظم…) ،هذه أشكال تنظيمية تخدم سياق "الانتماء" على مدرسة العدل والإحسان أن تحرص على العمل من داخلها والدفاع عنها وحمايتها.  

لكن مشروعنا الذي نقترحه على المجتمع يقصد الغايات والمقاصد الكبرى للإنسان وبالتالـي فموضوع التغيير عندنا هو جوهر الحضارة المادية ،هو مصير الإنسان في هذه الحياة الدنيا ثم مآله في الآخرة. 

لذلك سأركز البحث في هذه المقالة على المساقات والتوجهات الكبرى للحضارة الغربية:  

1- المساق المعرفي  

يقول الله عز وجل:{ ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا. وبنــــين شهودا. ومهدت له تمهيدا.ثم يطمع أن أزيد كلا .إنه كان لآياتنا عنيدا. سأرهقه صعودا. إنـه فكر وقدر. فقتل كيف قدر. ثم قتل كيف قدر. ثم نظر ثم عبس وبسر.ثم أدبر واستكبر. فقال : إن هذا إلا سحرا يوثر. إن هذا إلا قول البشر. سأصليه سقر. وما أدراك ما ســــــــــقر}. الآيات 11-27 ( المدثر ) 

هذه الآيات الكريمة تلخص موقف ومنطق الإنسان الجاحد آيـات ربه،المنكر رسالــة الأنبياء؛المعتد بأنانيته وفردانيته وطاقته وعقله ومـاله ومكتســـباته المادية والعلمية والحضارية. 

وقد تجسد هذا في فلسفة ديكارت " أنا أفكر فأنا موجود" وهي الأساس الذي قامـت عليه الحضارة الغربية، تأليه للعقل،وتمرد على الغيب وجبروت على الطبيعة والناس. 

مصدر المعرفة الحس والعقل فقط، ولا سلطة فوق سلطان العقل،دعم ذلك قوة الإكتشافات العلمية وقوة المال والسلطـان الإستكبــاريين،فازدادت ثقة الإنســان الجاهلـي فـي عقلانيته،وازدادت معها معاناة الإنسانية، ونزيف الطبيعة منذ أن أطلق فرنسيس بيكــون بيان التدمير: " أن نقهرها (أي الطبيعة) ونخضعها، أن نرجرجها حتى أعمق أعماقها، أن نعصف بقلاعها وحصونها ونحتلها…."(6) ولاحظ هذه المقاربة العدوانية وكأن القوم في حرب. 

لكن ما إن أفل القرن العشرون حتى فوجئت هذه العقلانية - في عقر دارها - ببنيانها الحصين - يوما ما - يتهدم وإذا ببديهياتها ومسلماتها تهتز أركانها وعروشها. 

لقد ولت "الحتميةّ" و "المطلق العقلي" لتحل محلــها "النسبية" و " اللاحتمية ". وإذا منهج الشك نفسه يتجاوز اليقين العقلي،والثقة الكاملة في العقل إلى اللايقين.  

إذ أصبحت العقلانية ذاتها من الأفكار التقليدية كما يقول كارل بوبر .(7)

ويقول إيليا بريغوجين ( الحائز على جائزة نوبل للكيمياء 1977 ) :"إن القرن العشرين قد حول كوكبنا بأكمله من عالم متناه من الحقائق اليقينية إلى عالم لا متناه من الشكوك "(8) 

"لقد اصطنع ديكارت قسمة حادة بين الروح والجسد، بين العقل والمادة، فيما بعد أصبـح هذا معتقداً عاما…إن إزاحة الروح من الطبيعة أتاح للباحثين تشريح أوصالها،من قبل كان هذا التفويض ممتنعا احتراما لقدسية الكائن العضوي."(9) 

وكما تقول د.ليندا أجين شيفرد:"أما وقد وقفنا على أعتاب النصف الثاني من حـياة العلم، فإننا بحاجة إلى أن نعـيد مجددا طرح السؤال: ما هي أهـداف العلم؟ هل هي التـنبؤ بمسارات الطبيعة وتأمين بقاء الإنسان ؟ تحســـين مستوى معيشة الجنـس البشري ؟ التحكم في الطبيعة ؟ والسيطرة والهيمنة عليها ؟ العيش في وفاق مع الطبيعة ؟ أن نفهم الحقيقة ؟ أن نعرف الله ؟ أن نعرف أنفسنا ؟ المشاركة في إبداعية الخالق؟ أن نرتـقي بتطور الوعي؟(10) 

إن العلم يعيش مرحلة أزمة منتصف العمركما تصف هي. ان المعرفة من اجل المعرفة قد جرت على البشرية ويلات ومخاطر كثيرة. 

لقد تميز العلم الغربي بالتفكير العقلاني والاحسـاس التجريبي:المعرفة من اجل المعرفة ،انتصار سيـاق المنطق،الحـياد (الموضوعـية) ،القوة والسـيطرة.وأبعد وظيـفـتي الشعور(العاطفية) و الحدس، المدفوعة بحب الطبيعة ،والقيم والغايات العليا،و الاخلاق العامة،و الوعي بالموقف،و البحث عن الحقيقة ، و التلقي من الطبيعة ومن الكون بدل الاستعلاء والاستكبار.  

لقد كتب روبرت موريسون (المدير السابق للعلوم الطبية والطبيعية في مؤسسة روكفلر) : 

"على مدى ردح من الزمن، طويل إلى درجة مهولة ، و المجتمع العلمي يؤم حياة معينـة لم يضعها موضع التساؤل؛وبكل تواضع يجب الاقرار بأنه من المستحيل بتاتا إنكار اننا قد بلغنا موضعا حيث يجب ان نهجر الاعتقاد بان المعرفة في كل الحالات افضل من الجهل ؛ إننا ببساطة نفتقد الى القدرة على وضع تنبؤات دقيقة"(11) 

و عبر د.ديفيد بوم عن مخاوفه لصيرورة العلم فقال:"أما إذا واصل العلم طريقه سائرا في اتجاه لا يعرف الاخلاقيات، فإن العالم في نهاية المطاف سوف يستـجيب للعلم بطريقـة مدمرة"(12) 

ونفس الإمتعاض عبر عنه اينشتاين حين صدم بتطبيقات نظرياته البديعة، فقال لإصدقائه :  

" إن العلماء كانوا طيورا في أقفاص لها نظام يشجعها على وضع البيض، بـينما يصبح تصريف شؤون البيض امتيازا مقصورا على أهل السلطة " 

ويقول اينشتاين كذلك : " هــــذه الكارثة منتج جانبي لتطور العقلية العلمية والتقنية. إننا مذنبون. يسير البشر نحو البرودة أسرع مما يسير إليها الكوكب الذي يعيون فيه". (13) 

إننا نحتاج في حضارتنا سريعة الإيقاع إلى وقفة فاصـلة طويلة بما يكفي لنمارس التعقل ووزن الأمور لنتخذ قرارات أخلاقية فردية وجماعية قائمة على أساس السياق وعنصـر الزمن " (14) كما تقول د. ليندا أجين شيفرد . 

خلاصة مليئة بالحيرة، وأزمة منتصف العمر يعيشها العلم، ودعوات تعقل بـدل عقلانية. وسياق الموقف بدل سياق المنطق، ودون ذلك دمـار بيئي ومجاعة، وفـقر وظـــلم وحــقد إنساني وحروب وتبديد لخيرات الأرض بقانون السفه والإسراف، ويفتــح الله على العقل الجاهــلي أبواب كل شيء،حتى إذا فرحـوا بما أوتوا أخذهم بغـتة وهم لا يشعرون. 

أطلنا الحديث عن هذا المساق المعرفي لأنه الأساس الذي صاغ طريقة التفكير الغـربي البنيوي، وطريقة السلوك الحياتي المادي المفصـول عن الآخرة وعن ما بعد المــوت وعـــن الأخلاق .  

إنه بحق يشكل عقبة كبيرة أمام مشروع العدل والإحسان،الرابط بين الحياة والمـوت، بين العلم والإيمان، بين سلطة العقل وسيـادة الوحي، بين الروح والمادة وبين الدنيــا والآخرة . ثم أبرزنا موقف العقول الحائرة المنتقدة من داخل المسـاق ، لنــحدد موقفنا بوضـوح مـن العلم ومساره والتكنولوجيا وآثارها،وحتى لا نكون أقل نضجا من هؤلاء المنتقدين لمسارالعلم والمعرفة والحضارة . بل هذا ميدان مشترك- نعتبره كذلك- يجتمع حـوله العقلاء والحكماء من كل الحضارات من أجل تصحيح مسار العلم وبالتالي مسـار الإنسانية جمعاء؛ولأن العلم - في البداية والنهاية- تجربة إنسانية ليست حكرا على أحد.  

 2- المساق العولمي : 

ننطلق من مفهوم التضـامن أو السيادة، وقد رأينا كيف وصفه فلاسفة غربيون، وصفا دقيقا مركزين على الأسباب الذاتية لانهيار التضامن، سواء ما تعلق بالحياة الفردية والأنانــية الفردية، أو بالتآكل الخلقي ،أو بأزمة الدافعية، لكن مـا تأثـير المساق العولمي على مفهوم التضامن الإجتماعي الأوربي؟ 

وسواء أخذنا برأي المتحمسين للعولمة، وبمدى تأثيرها على الحياة العـامة للنـاس، أو برأي المنتقدين لها، والمقللين لأهميتها، فإن مسألة التغير على مجتمعات الغرب واضحة وغير خافية. فهناك ميادين كبيرة فقدت فيها الدولة دورها كراعية للسيادة الوطنية لحساب أدوار أطراف أخرى إما إقتصادية،أو إجتماعية،أو دولية. 

- ومنها مسألة إعلان الحرب وإدارتها والتحكم في نتائجهاأو احتكار العنف من قبل الدولة. 

- ميدان آخر فقدت فيه الدولة السيادة هو الإعلام وهو ما خلق نوعا مـن عدم التجانس الثقافي الذي كانت تحرس عليه الدولة من خلال إعلامها الرسمي. 

- مسألة "الهجرة " حساسة بالنسبة لمفهوم السيادة والمواطنة، وبإمكانها إحداث تغيير جذري في الفقه السياسي برمته. (15) 

- نمو المنظمات غير الحكومية أو ماسماه وزير التجارة الكندي السابق بـيير فيتــجرو بنمو " عالم النفود في مقابل عالم السلطة ( الدولة )". لقد وصف آلان تورين هذا الوضع قائلا : "كنا نحاول حتى الأمس تحديد علاقات الإنتاج الإجتماعية ونزاعاته وأساليبه في التفاوض لكي نتفهم مجتمعا ما. وكنا نتحدث عن الهيمنة والإستغلال والإصلاح والثروة. لم نعد نتكلم اليوم إلا عن العولمة والإستعباد وعن الفروق الإجتماعية المتزايدة، أو على العكس عن تكثيف رأس المال أو عـن قدرات نشر أساليب وأنواع الإستهلاك. وقد اعتدنا على تحديد وضعنا بالنسبة للآخـرين حسب المراتب الإجتماعية والمؤهلات والمدخول أو التعليم أو النفوذ. وحلت عندنا رؤية أفقية محل تلك الرؤية الرأسية فنحن إما في المركز أو عند الأطراف، في الداخل أو في الخارج، في الضوء أو الظل ".(16) 

- ردود الفعل أو العولمة المضادة من قبل الجماعات والمؤسسات سواء تحت دوافع عرقية أو دينية أو اقتصادية أو سياسية أو لغوية أحيانا.(17) 

- مسألة التعددية الثقافية وهـي مرتبطة ارتباطا وثيقا بالإعلام ووسائل الإتصال، ومرتبطة كذلك بالهجرة وقـد صاغ أحد مؤرخــي الهجرة الذين يلقون تقديرا كبيرا، وهو ماركوس لــي هانســن "قـــانونا" متعلقا بالأجيال يتناول هذه المسألة،وأسمى هذا القانون " مبدأ اهتمامات الجـيل الثالـث ". ويمـكن تلخيصه في الحكـمة التالية :" ما يود الإبـن أن ينساه هو ما يود الحفيد أن يتذكره ". أي أن الجيل الثالث هو الذي يغذي الهوية الثقافية والحماسة للتعددية الثقافية.(18) 

- الدور المتزايد للمرأة والمجتمع المدني النسوي 

وعلى كل حـال تبقــــى العولمة سواء بشكلها الإمبريالي الإستعماري، والإستغلال البشع لثروات العالم، أو بشكلها التواصلي وتلاحق الثقافات،تبقى متغيرا اجتماعيا يطال جميـع مناحي الحياة الإنسانية بصفة عامة،وحياة المجتمعات الأوربية بصفة خاصة. 

وعليـنا ونحن نعرض مشروع العدل والإحسان أن نستغل الجوانب الإيجابية في هذه المعطيات العولمية. ثم نستحضر هذه التغيرات الإجتماعية المستقبلية ونحن نطرح قضايا العدل ومفرادته وتطبيقاته، بمـعنى أن تتحلى قراءتنا لمفاهيم العدل ومقتضياته بنوع من المرونة والنـسبية، نحدد المعالم الكبرى ثم نستفيد من معطيات الحاضر والمستقبل ونترك للأجيال القادمة الإستفادة من المستقبل والممارسة في تحديد تفاصيل قضية العدل. 

 

المبحث الثالث: مفهوم مدرسة العدل والإحسان 

بعد حديثنا عن المنطلقات الأساسية للسياق الإيماني، وكذا حديثنا عن المعطى-الواقع المتمثل في المساق الحضاري الغربي ( المعرفي والإجتماعي والعولمي)، ننظر الآن في المقاربة المنهاجية لمفهوم المدرسة. 

1- المقاربة المنهاجية لمفهوم مدرسة العدل والإحسان : 

هذه المقاربة تنطلق أساسا من المنهاج النبوي- المرجعية الأساس لأي اجتهاد يقصد تغيير واقع ما – الذي يعني علما وعملا وآلة للعلم والعمل. بمعـنى أنه يتضـمن الجانب التصوري ( فكر) وهذا الفكر يلامس مصير الفرد، ومصير المجتمع، ومصير الإنسانية من خلال هداية الوحي القرآنـي النبوي، ومعطـيات الواقع التاريخي، والثقافـي والإجتمـاعي والسيـاسي والحضاري بصفة عامة. وبالتالي هو تقييم علمي وموضوعي لما هو كائن، واقتراح عملي لما ينبغي أن يكون. وبما أنه اقتراح عملي فهو إذن تنظيم وأهداف ومراحل وخطة وبرمجة وتنفيذ. 

وكون أن المدرسة تصطبغ بالصبغة الأوربية – في حالة أوربا- فهذا يعني مراعاة الواقع الأوربي ودراسته، ولعل الصفة البارزة - ونحن نلامس مجالات العمل والتنظيم- هـي التخصص، واستقلالية كل مجال عن الآخر، عــلى الأقل في الجانب التنظيمي القانوني : 

فالسياسي ،والحقوقي، والمدني، والنقابـي، والروحـي، والثقـافي، والديـني، والنفسـي، والإجتماعي، والإقتصادي كل يعمل بشكل مستقل و متخصص ؛ قد يخدم كل مجال النسـق العام لكن بشكل مستقل. 

وبذا يكون الواقع الأوربي والمدرسة بما هي مؤسسة وأقسام وبرنامج وتخصصات، أقرب إلى التطابق. 

بناء على هذا كله يمكن أن نصيغ المقاربة المنهاجية لمفهوم المدرسة كالتالي: 

مدرسة العدل والإحسان هي فكر+ مؤسسة (تنظيم) 

*فكر يستحضر ثلاث دعامات: 

دعامة تربوية : تستهدف روح الإنسان وذلك من خلال برامج روحية و أخلاقية تسمو بروحه وتربطه بخالقه عزوجل وتنمي فيه خصال حب الله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم وحب الأنبياء جميعا دون تفريق بينهم - عليهم السلام - وحب الصالحين والخيرين من العالمين وخصال الرحمة والرفق بالإنسانية جمعاء باعتبارها تنتمي إلى أب واحد وأم واحدة وبالمخلوقات جميعها والسير فيها بالحسنى. 

ثم تستهدف عقل الإنسان فتوجهه نحو أسس التفكير السليم المتوازن والمتزن الذي يجمع بين مطالب الروح والمادة وبين العلم والإيمان وبين السياسة والأخلاق وبين مستقبل الإنسان عند الله عزوجل ومستقبــله التاريخي وبين قيم الحرية الفردية وقيم التضـامن الاجتماعي. 

وتستهدف حركة الإنسان الفردية والجماعية وسيره في التاريخ وتحفظهما من مزالــق التطرف والعنف والكراهية وتنمي لديها قيم التسامح والتدافع السلمي . 

والدعامة التربوية في مشروع مدرسة العدل والإحسان تقصد منهاج التدرج والصبر والتؤدة وعدم الاستعجال وتقدير عوامل الزمان والمكان وإعطائهما حظهما في العملية التربوية؛ بل وتقدير الكفاءات والمواهب واختلاف العطاءات. 

دعامة إنسانية: تستهدف الإستفادة من التجربة الإنسانية ، والإنفتاح على الحكمة البشرية ،وتقدير العطاء الإنساني بكل تلاوينه الفكرية والحضارية والإثنية باعتبار الإنسان هدف هذه الدعوة ومجال عملها. 

دعامة تواصلية : تستهدف فهم الآخر، وتبني أسباب الوفاق وآفاق البناء المشترك وتحدد نوع الخطاب ونوع الحوار ،والحوار والتواصـل هو بالنسبة لنا دين نتـقرب به إلى الله عزوجل وندعو الناس إليه وهوسمة بشرية وفطرة إنسانية لايمكن الإستغناء عنها. 

*تنظيم يراعي كذلك ثلاثة معطيات أساسية في الواقع الأوربي: 

أ- سقف العمل وأهدافه : لا يمـكن أن ننطلق في معالجة الواقع الأوربي دون تحـديد سقف العمل. أهو سقف سياسي؟ أم إجتماعي؟ أم إنساني؟ أم روحي؟ أم الكل؟ وفي كل مجال يجب تحديد كذلك الأهداف العامة والمرحلية. 

وعــلى ضوء تحديد سقـف العمل وهدفـــه، يتم تحديد الشكل التنظيمي لبلوغ مقاصد العمل ومراميه. 

ب- الشـكل التنظيمي : كما أشرنا من قبل يتميزالواقع الأوربي باستقلالية المجالات،وتخصص بعضها عن بعض. 

مايتميز به الواقع الأوربي كذلك المناخ الديموقراطي وسيادة القانون وتشجيع المبادرات والمجتمع المدني القوي والمؤثرومشاركة المرأة والبنية الاجتماعية المؤهلة.هذه كلها ميزات يجب أن تستفيد منها المدرسة . 

ج- الفاعــلية الواقعية: تتحقق الفاعلية الواقعية في المجتمع الأوربي بأمرين اثنين : 

القوة التنظيمية : وضوح الرؤية + قوة الحوافزالإرادية +الموارد البشرية المؤهلة 

القوة التأثيرية : درجة الانتماء (المواطنة)+ شبكة العلاقات+ السلم التنافسي 

2- مطالب مدرسة العدل والإحسان. 

يقول الأخ المرشد حفظه الله في كتابه مقدمات في المنهاج:" يطلب المنهاج العلم لينحو به المنحى العلمي الإجرائي، ويطلب الإنسان ليوضح له الطريق ويحفزه للعمل، ويطلب العمل ليبرمجه ويمرحله، ويطلب الواقع السياسي والإجتماعي والإقتصادي في العالم وفي الأمة ليخطط مرامي العمل ومفاصله، ويطلب الأهداف الدنيوية والغاية الأخروية ليضعها على خط واحد لا تتناقض ولا تتنافر، ويطلب المجموع لينسق الجهود ويوجهها". 

مطالب مدرسة العدل والإحسان في أوربا تنهج نفس مطالب المنهاج،لكن مع تدقيق الزمان والمكان، وتحديد التاريخ والجغرافيا الأوربيين. 

المطلب الاول : العلم  

فهم لمقصود الله الكوني في الواقع الأوربي مـن خلال تدافع الناس، وسنة الله الإجتماعية والتاريخية فيهم،ثم فهم ينحو منحى عمليا يقرب مقصود الله الشرعي ومراده من المكلفين من مقصوده الكوني، وسنته التاريخية في المجتمعات. 

فهم يجمع في تناغم بين المستقبل الاخروي والمستقبل التاريخي،بين العلم والايمان،بين الروح والمادة،بين السياسة والاخلاق.

المطلب الثاني : الإنسان 

الإنسان هو المقصود بالفعل،بالتغيير،روحه،عقله،وحركته. فمن هو الإنسان المطلوب في الحالة الأوربية، أو بتعبير آخر، ذلك الإنسان المقصود بالعلم والخطاب المنهاجيين؟ لابـد - بداية – من عملية تفييء للإنسان المخاطب، حتى تسهل عملية التواصل، وتؤتـي التربية أكلها وهدفها. 

فعمل غايته التربية، ووسيلته التربية، وجب فيه تصنيف الناس المستهدفين بالتربية إلى فئـات حتى تسهل عملية تمرير الخطـاب والسلوك التربويين بحـسب متطلبات كل فئة. ومعيارية التصنيف تقوم على قواعد ثلاثة : 

أ- الأخوة في الدين : هناك أقليات مسلمة في كل بلد أوربي، وهـــي تـتتوسع يوما بعد يوم، وتتوطن وتتجنس في المجتمعات الأوربية. وهــذه الأقليات تتشكل في غالبها مــن مهاجرين ذوي أصول مسلمة، ومـــن أبناء الجيل الثاني والثالث الذين لايمــكن إلا أن تصنفهم ضمن دائرة المواطنة الأوربية الأصلية، وليست المواطنة المهاجرة. 

هناك كذلك أقليات مسلمة ذات أصول أوربية محــضة. هذه الأقليات المسلمة جميعها تعاني القلة والضعف والإضطهاد والإهمال في أي مخطط مستقبلي أوربي، اللهم إلا مخطط الدمج القسـري فـي الحضارة المادية الغربية، دون مراعاة للخصوصية الثقافية والدينية. على كل حال، هــذه الأقليات على اختلافها وتنوعها تشكل الهدف الأساس، والقاعـدة الأم لمدرسة العدل والإحسان. 

ب- النظيرية الخلقية : " ينادي الضمير الإنساني المستيقظ بحق الشعوب في تقرير مصيرها وبالحقوق المدنية، والسياسية، والإقتصادية، ينادي بحق الإنسان في الحرية والعمل، بحق المرأة والطفل، بحق العمل والصحة والتعليم، بحق السكن الكريم، بحق المرضى والعجزة.. ويرتفع طموح الضمير الإنساني فيطالب بحق الإنسانية في الحفاظ على الكوكب الأرضي نظيفا، وعلى البيئة الطبيعية مصونة للأجيال ".(19) 

هذه مطامح الضمير الإنساني، والأوربي منه خصوصا لأنه يعرف نشاطا في الميدان أكثر من غيره. هي مطامح ومطالب عـندهم، وهــي عندنا دين ندين به الله عز وجل ونتقرب به إليه سبحانه. فالقدر المشترك بين أبناء مـــدرسة العـــدل والإحســـان وبين ضمير " نداء حقوق الإنسان " هو مكارم الأخلاق والعدالة والإنصاف والمروءة. 

" فإذا بلغت الأمة إلى غاية حلبة مكارم الأخلاق على جمهورها. وسادت تلك المكارم في معظم تصاريفها زكت نفوسها، وأثمرت غروسها. وزال موحشها وبدا مأنوسها فحينئذ يسود فيها الأمن وتنصرف عقولها إلى الأعمال النافعة وتسهل الألفة بين جماعاتها فتكون عاقبة ذلك كله تعقلا ورفاهية وإنصافا من الأنفس فينتظم المعاش" (20) 

هذه الفئة من الناس، قاعدتنا في مخاطبتهم هي " النظيرية الخلقية " - قولا وفعلا - التي نهدف وإياهم إلى تحقيق غايتين : 

- ميثاق إنساني : يحمي ويصون الإنسان - كل بني الإنسان - حريتـه، كرامته، ديانتـه، ثـقافتـه، خصوصيته. 

- ميثاق بيولوجي : يحمي ويصون بيئة الإنسان ومحيطه. 

ج- رحم الإنسانية : قال تعالى :{ ياأيــها النـاس اتقوا ربـكم الــذي خلقــكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء. واتقوا الله الذي تســاءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا } سورة النساء آية 1

 " العباد رحم واحدة، وصلتها بالشفقة والإحسان خصلة إيمانية إحسانية رفـيعة، وأي إحسان أحسن وأرفع من تنبيه الغافل وإعلام الجاهل وإنذار المستهين وتبشير السادر بما ينتظر العباد بعد الموت ".(21) 

" شهادة أن العباد كلهم إخوة في الرحم الآدمية تلزم الشاهد واجبات تجاه الإنسانية لا تنافي ولا تزاحم ولا تعطل الإلزام الولائي بين المؤمنين والإصطفـاف في صف المسلمين .(22) 

هـذه الرحم والآصـرة الإنسانية، توجــب علينا واجبات تجاه الآخرين، ممن يخالفوننا في المعتقد والتاريخ والجغرافيا. وتحتم علينا أن نهتم بهذه الفئة لأننا سنسأل عنها يوم القيامة هل ادينا حقها ام لا،وفي مقدمته حقها في سماع كلام الله، وبلاغ الله، وهداية الله. 

المطلب الثالث :العمل 

في هذا المطلب نناقش ثلاثة مباحث تكاد تكون مفصلية في تحديد طبيعة العمل وهي : 

المبحث الاول :أصول العمل ومبادئه 

1- الوضوح : مايميز عملنا الوضوح والشفافية، فلا نحب الغموض ولا التستر مهما كانت دواعي ذلك. وضوح في التصور،في الهدف، في الوسيلة، في الموقف، في الكفاءة والمؤهلات التربوية والميدانية، لا سيما ومجتمعاتنا الأوربية تحترم القوانين وتكفل حرية التعبير والتجمع، فلا نعمل في جيتوهات فكرية أوتنظيمية مغلـقة بل ننــفتح عـلى الناس بمواقفنا وأهدافنا وتصوراتنا، وقبل ذلك بسلوكنا الإيماني الرحيم بالخلق واعتبارهم عيال الله، وأحبنا إلى الله أنفعنا لعياله، ثم لأننا - بداية ونهاية - نخاطب الفطرة، والفطرة صفاء، ولا تقبل إلا صفاء. 

2- الإحسان : أي الدقة والإتـقان فــيما ننجزه مــن عمل، الدقة في أوصافه الإحسانية من حيث الإيمـان. ومعيار هذا موافقته لأمر الله ورسوله. ثم الدقة في مواصفاته العملية ليكون ملائما للهدف المرجو من دنيا وآخــرة. يحب الله الإحسان بمـعيار الصواب الديني، ومعيار الصلاحية التقنية.(23) 

3- المسؤولية والمشاركة : من خلال شعور المؤمن أنه مسـؤول أمام الله عز وجل، وأمـام نفسه وأمام المسلمين ، وأمام الإنسانية جمعاء. وهذا الشعور والسلوك الفردي ينتقل إلى سلوك جماعي يجسده التنظيم،فيسير في الناس بروح المسؤولـية" وأنمـا يكـون تصـرفنا تصرفا مســؤولا إن فضـلنا الصدق عـلى الكذب، والوضوح على الغموض، والتخطـيط عـلى الإرتجال."(24) وأن العمل مـن أجل سعادة الإنسـانية وخدمتها دنيا وأخرى يحتاج إلى قسمة في التضحيات.(25) هذا الشعور المسؤول هو الدافـع الحقيـقي للمشاركة المهتمة والمهمـة والفاعلة والصادقة مع كل الخيرين في العالم من أجل إسعــاد الناس كل الناس.لامعنـى للمسؤولية إلا بالمشاركة العملية في سياق "نفع الخلق" وفي سياق "الانتماء". 

4- الرفق ومنابذة العنف : "إن الرفق أصل عظيم من أصول العمل الإسلامي "( كما " أن العنف يأتي من سوء الطبع العنيف كما يأتي من سوء الفهم للواقع "(26) وهـو مبدأ مرفوض في ديننا وفي منهاجنا- سواء أضيفت عليه الشرعية أم لا - و ليس من مبادئنا . ومنابذته أمر لا يناقش في الشريعة الإسلامية .(27) 

فعلى براهين الرفــق نؤسس عملنا ونخرج به إلى الناس على اختلاف أجناسهم وديانتهم، لا سيما وأن هذا الإنسان الحديث قد أثخنته جراح العنف المادي والمعنوي الذي تمارسه الحـداثة عليه وعلى محيطه. ولابد من دعوة أساسها الرفق والرحـمة والشفقة تنتشـله من هذا العذاب الأليم. 

5- التدرج : يقول عزوجل: { ولـقد كذبـت رسـل من قبلك فصـبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا، ولا مبدل لكلمات الله } الأنعام آية (35) 

من سنة الدعوة التدرج في البناء، وعامل الوقت الذي تدل عليه"حتى"أساسي في القضية(28) والتدرج يشمل التدرج في الخطوات وهو تقدير دقيق لعامل الزمن من خلال تقييم وتقويم التجارب وإعداد الأطراللازمة والبرامج المدروسة ثم التدرج في التربية وذلك أن"التربية معالجة لمادة إنسانية،وشخصية لها ماض وبيئة اجتماعية واستعدادات."(29) 

6- مرونة الإجتهاد في حدود الشرف الإيماني (30) : مرونة الإجتهاد تأخـذ بعين الإعتبار مقاصد الشريعة، ومقصود الله الكوني وعلته التاريخية والإجتماعية، وعلة التشريع الإلهي النبوي، وضــرورة الواقع وإمكانياته المتاحـة. كل ذلك في حدود الشرف الإيماني الذي يعتبر شريعة الله ودين الله هو الحق، وهو العدل، وهـو المصلحة والأمن والعافية لكل الناس. 

7- منطق الدعوة بدل منطق الساحة : هذا الأصل هو الضمان الأساس لعدم انحراف المركب عن هدفه ومقصده، وعدم تحول الأهداف إلى غاية، والوســائل إلى أهداف . إما بتـغليب المرونة إلى حد التفسخ من الشرف الإيماني، وإما بتغليب الحركة ومعافــسة الواقع إلى حد الإستقالة من روح العمل وجوهره ألا وهو دلالة الخلق على الله عز وجل،وتربيتهم على ذلك. 

8- التـسامح : المقصود به السماحة الخاصة تجاه المخالفين في الدين والثقافة. واستدل في هذا الأصل بمقالة لـلأستاذ العلامة محمد الطـاهر بن عاشوررحمه الله، فقد أحسن وأجاد في وصف ميزة التسامح في الإسلام : " لذلك كان أهل الأديان منذ عرف التاريخ يجعلون الدين جامعة و مانعة، أي كما يجعلونه جامعا للمتدينين به في المودة وحسن المعاشرة والعصبية، كذلك يجعلونه مانعا من الإمتزاج والمعاشرة والمودة مع المتدينين بغير دينهم، ثم تشب بينهم بحكم التولد والتدرج صدف الكراهية ثم الغلظة ثم البطش بأولئك المخالفين."(31) 

أما الإسلام فمع مادعا إليه أتباعه من جعله الدين هو الجامعة العظمى التي تضمحل أمامها سائر الجامعات إذا خالفتها. فهو لم يجعل تلك الجامعة سببا للإعتداء على غير الداخـل فيها، ولا لغمص حقوقه في الحياة وإجراء الأحكام، فجعل التسامح من أصول نظامه."(32) 

وبين رحمه الله أصلي التسامح في الإسلام: بعث الثقة بصحة العقيدة الإسـلامية دون التفات لعقيدة الغير، وهذا يجعل المسلم في مأمن من أن يزلزل عقيدته مخالف، وبالتــالي فهو لا يشمئز من وجود مخالفه ولا بقربه منه، ولا يستوحش منه، والأصل الثاني هو مكارم الأخلاق التي تدعو المسلم إلى التعايش ومقارعة الحجة بالحجة بنفس مطمئنة وصدر رحب ولسان طلق دون ضجر ولا سآمة . 

"فلذلك يحق لنا أن نقـول أن التسامح من خصائـص دين الإسلام وهو أشهر مميزاته وأنه مـن النعم التي أنعم بها على أضداده وأعدائه،وأدل حجة على رحـمة الرسالة الإسلامية المقررة بقوله تعالى: ((وما أرسلناك إلارحمة للعالمين))(33) 

ولايتسـع المـجال لبسـط جميع أقـواله فـي هذا المـجال، وقد أورد شواهد تاريخية تدل على عمق تجدر التسامح في مخيال المسلمين، ويستحسن الرجوع إلى الكتاب. 

ـالمبحث الثاني :مجالات العمل 

وهنا نحدد أربعة اعتبارات منهاجية: 

- الغرب "أمة دعوة": لقد قسم فقه القطيعة العالم إلى أمة إسلام وأمة حرب. أو دار إســلام ودار حرب. أما فقهنا المنهاجي فيقسم " العالم إلى أمة استجابة هم المسلمون اليوم، وأمة دعوة هم سائر الناس والأجناس".(17) 

" وواجبنا الآكد أن نتقدم برسالة الله للعالمين في عزة وشموخ وثقة. فالإنـسانية جمـعاء أمة الدعوة وفي سمعها يجب أن نبث كلمة الله الخالدة"(1

 

- الغرب "تجربة إنسانية" أو "حكمة إنسانية": هذه الحكمة الإنسانية التي أمر المؤمنون أن يأخذوا بها أينما كانت. إذا هم أولى بها من غيرهم. والحكمة الغربية، هي حكمة عقلية تنظيمية وكسب علمي تقني،وتكنولوجيا، وديمقراطية( أسلوب التداول على السلطة بشكل سلمي )، وحرية وحقوق اجتماعية وكرامة للإنسان، وحرية التجمع وممارسة الأديان والعقائد والثقافات. هذه كلها حكمة يجب أن تستفيد منها مدرسة العـدل والإحـسان في بلاغها، وفي استقرارها.

 

روى مسـلم في كتاب الـفتن وأشـراط الساعة " أن المستورد القرشي قال عند عمرو بن العاص: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:{ تقوم الساعة والروم أكثر الناس} فقال له عمرو: أبصر ما تقول! قال: أقول ما سمـعت مـن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لئن قلت ذلك إن فيـهم لخصالا أربعا: إنـهم أحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفـاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة : وأمنعهم من ظلم الملوك"

 

- الغرب موطن " مروءة ": هذه المروءة يجسدها هذا الضمير الأوربي الذي ينـادي ويدافع عن حقوق الإنسان وكرامة الإنسان بصدق وإخلاص. 

هذه الواجـــهة الحـقوقية تـشـكل قـدرا مشتركا بين الفـضـلاء مـن بني الإنسان، نتجاوب معه ونتعاون علــى قاعدة "النظيرية الخلقية ". ولنا في ديننا {خياركم في الجاهلية، خياركم في الإسلام إذا فقهوا} ميزان به نزن عطاء الناس ومروءتهم وفضلهم. 

- الغرب موطن "استكبارعالمي" 

- اعتبار أخير يناقض - للأسف الشديد - ما سبق وهو أن حكومات الغرب- ولاأقول الشعوب- تقود حملة ضارية ضد الإسلام وأهله، بشكل متحيز ومتعصب، ويدافع عن إسرائيل ويبرر جرائمها، ويسن قوانين متشددة تجاه المسلمين خاصة، أو تجاه المهاجرين- والمسلمون غالبهم –  بل هناك " شبه ارتداد " عن دولة الحق والقانون إذا تعلق الأمر بحقوق المسلمين هذه واجهة في الحقيقة تلطخ وجه مجتمعنا الديموقراطي وتشوه سمعته وتضر باستقراره ومصلحته. 

كل اعتبار من هذه الإعتبارات الأربع يدلنا على حجم العمل وطبيعته : 

- فالإعتبار الأول (مفهوم أمة الدعوة) يدلنا على حجم العمل الدعوي وطبيعته، بكل فروعه وأبوابه. 

- الإعتبار الثاني ( الحكمة الإنسانية) يدلنا على العمل السياسي الإجتماعي كمدخل أساسي للتعايش والمشاركة والمواطنة والإندماج في الواقع والتأثر المتبادل. 

- الإعتبار الثالث ( موطن" مروءة") يدلنا على العمل الحقوقي والبيئي والثقافي. 

- الإعتبار الرابع ( موطن" استكبار عالمي") يدلنا على هامش المقاومة والممانعة. 

المبحث الثالث:أهداف العمل أو مقترحات العمل 

في أي خانة يصنف عملنا: في دائرة " الإصلاحية " التي ترمي إلى المحافظة والتوازن من داخل النسق أو النظام، أم في دائرة " الـثورية الراديكالية " التي ترمي إلى القطيعة والتغيير الجذري ولكـن من داخل النسق كذلك. أم عملنا وصف لما هو كائن على غرار ما تفعـله المدارس الفلسفية الإجتماعية؟ 

في الواقع الأوربي هناك مدرستان اجتماعيتان،إحداهما تركز على البنية وأثرها على حرية الأفراد، والأخـرى تركـز على الفعل والإختيار الحر أي قدرة الأفراد على الفعل والإختيار والتأثير في النظام، والواقع هو أن كلتي النظريتين ينحصر عملهما في وصف"ماهو كائن" دون النفاذ إلى ما "ينبغي أن يكون". 

لأن " ماينبغي أن يكون " يتأسس على عمل تربوي يستهدف تغيير ما بالنفس، ولا يمكن تغيير ما بالنفس إلا بربطها بمسـتقبل أخروي ترجو من خلاله لقاء الله ورضوان الله. وهذا ما لا تقدر عليه المدارس ولا الفلسفات الإجتماعية سواء منها الإصلاحية أو الراديكالية. 

ونحـن بما نمـلك من قوة تـربوية تسـتهدف روح الإنسان ونفسه وعقله، وتربطه بخـالقه سبحانه بإمكاننا تشكيل " قوة إقتراحية " مشاركة بالقول والفعل في تغيير " ماهو كائن" الى "ما ينبغي ان يكون"،اسلوبنا في ذلك هو التربية والإقتراح والحوار والتي هي أحسن. 

ويمكن أن نلخص مقترحاتنا فيما يلي : 

1- المــستقبل الأخــروي: مقترح نقترحه على الإنسانية جمعاء، ونعمل على تحقيقه من خلال برامج تربوية وروحية، ومفاد هذا الإقتراح أن الدنيا قنطرة إلى الآخرة. وأنه لا بد من لقاء الله عز وجل، فإما جنة أو نار. والأساس الذي تصلح به دنيا الناس هو إصلاح آخرتهم وإنه لامستقبل ذي وجه إنساني كريم إلا أن نفتح قلوب العباد على المسـتقـبل الأخـروي . والمـستقبل الأخروي معناه في الواقع المعاش أن تأخذ المراحل التربوية الإنسان السائر في الـدنيا الفانية بلا هدف وبلا معنى " لتوقظ فيه هم مستقبله الأبدي ولتعقد له مع الله الصلح الكبير". 

2- المستقبل التاريخي أوالمواطنة الإيمانية : مقترحنا الثاني يؤسس للتعايش والتساكن والوطن المشترك والمستقبل التاريخي المشترك. 

" المواطنة الإيمانية " اقتراح يلف المواطنة الجغرافية السياسية القومية برداء الرحمة والتسامح والتكافل وصلة الرحم الإنسانية. 

وهذه المواطنة الإيمانية لها قواعد تميزها وتفعلها في الواقع : 

أ- القاعدة الخلقية النفسية الروحية : وأساس هذه القاعدة أمران اثنان: 

أولا: الإقلاع والتحرر : أي إقلاع النفس عن حب الدنيا والتحرر من العبودية للهوى،و اسلام الوجهة لله عز وجل، والبحث عن مستقبل أخروي. بهذا الإقلاع والتحرر ينقلب موقف المسلم وسلوكه تجاه الشح والأنانية والمصلحة الخاصة واللذة والربح. 

ثانيا: الرقيب القلبي : في المواطنة الجغرافية يكون الرقيب القانوني هو الأساس، وهذاوحده لايكفي اذا نظرنا الى عمق المشاكل الاجتماعية والأخلاقية في الواقع الأوربي الظاهرة للعيان. من خلال انتشار معدلات الجريمة والعنف الإجتماعي والمخدرات وغيرها. أما في المواطنة الإيمانية فالرقيب القلبي هو الأساس ولا يكون الرقيب القانوني إلا مكملا. 

ب- القاعـدة الإجتماعية التكـافلية : وذلك من خلال استلهام روح الإسلام التكافلية، التي تؤكد على كبح جماح اللذة والإستهلاك والتبذير والأنانية، كما تؤكد على ضرورة تمتين الـروابط الإجتماعية من خلال الوصية ببر الوالدين، والمحافظة على الأسرة والعلاقات الإجتماعية. وهذا مقترح اجتماعي بالأساس، يهدف إلى تعبئة الناس وتوعيتهم بل وتربيتهم على ترشيد وتقويم حياتهم الإقتصادية والإجتماعية بما يحقق معاني الإلتحام والتضامن الوطني. 

هذا التضامن المفقود حاليا في المجتمعات الأوربية إلا ما تقوم به بعض المنظمات الأهلية الذي لا يعوض حنان ودفء الوالدين والأبناء وذوي القربى.إن للإسلام قوة خارقة في تليين الحياة الاجتماعية وبعث الدفء فيها. 

ج- القاعدة السياسية: وتقوم على ثلاثة أسس: 

- تخليق الحياة السياسية : المواطنة الإيمانية تعتبر الممارسة السياسية مسؤولية أمام الله عز وجل قبل أن تكون مسؤولية أمام الناس. 

- دافـعية المـشاركة السـياسية : ماتعانيه الديمقراطيات الغربية هو استنكاف الناس عن المشاركة السياسية،وابتعادهم عن الشأن العام،بل وابتذالهم كل من يهتم بالشأن السياسي. 

ومسـاهمة المواطنة الإيمانية في هذا المجال أنها تلزم المسلم المشاركة السياسية كما تلزمه الصلاة والزكاة. 

- التعاقد السياسي :لقد طرأت مستجدات في الواقع الأوربي والعالمي،وهناك تركيبة بشرية اجتماعية جديدة، ومستجدات ثقافية ودينية، مما يحتم عملا جريئا من أجل بلورة الفقه السياسي الأوربي وتجديده بما يراعي هذه المتغيرات،وبما يضمن أسس الأمن والإستقراروالـوطن المشترك. ولا يمكـن أن نتصور تعاقدا سياسيا جديدا يلغي طـرفا مهما ألا وهـو الإسلام والمسلمون، أو الثقافات الأخرى الواردة على المجتمع الغربي. 

3- ميثاق إنساني وميثاق بيولوجي:

مقترحنا في ميدان حقوق الإنسان وهـدفنا هـو الوصول إلى صـياغة ميثاق إنساني عالمي، مع باقي الأطراف والمكونات والهيئات والمنـظمات الرسـمية وغير الرسـمية.ميثاق يحترم فيـه الإنسـان كـل بـني الإنسـان، وتنـاقش فيه كل قضايا المسكوت عنها، تراعى فيه حرية الأديان وقداستها وحرية الأفراد وحدودها، واختلاف الثقافات والهويات. 

ثـم ميـثاق بيـولوجي يشـارك فيه الجـميع، الدول والهيئات الرسـمية والمنظمات العاملة في المـيدان والـشركـات، يحـترم بـيئة الإنسـان ومـحيـطه وسمـاءه وهـواءه ومـاءه والمـوارد الإقتصادية، وحقوق الأجيال المقبلة على قاعدة " اتزان في عمارة الأرض". 

4- هدف المـقاومة والمـمانعة : هناك الكثير من الأصوات والمنظمات المناهضة لطبيعة النظام الإستغلالي الرأسمالي، وللعولمة، واستغلال الشعوب، ورافضة للاستكبار والهيمنة والإستعمار ومؤيدة لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، ومناصرة للمستضعفين وقضايا العدالة، وعلى رأسها قضية العالم المركزية: فلسطين. 

موقفنا أن نظل نناضل ونقاوم إلى جانب هذه الأصوات،ونضم أصواتنا إلى كل المستضعفين في العالم، إذ نحن مع المستضعفين طبعا وشرعا، طبعا لأننا منهم، وشرعا لأن ديننا أمرنا أن ننصرهم ونجاهد من أجلهم. 

خياراتنا في المقاومة والممانعة سلمية تنبذ العنف والصراع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 (1) سنة الله ص7 الأستاذ . عبد السلام ياسين

 (2)(4) العدل :الاسلاميون والحكم ص332 و335 الأستاذ . عبد السلام ياسين

 (3)من كتاب "مفاهيم حضارية" مؤسسة البلاغ

(5)الإسلام والقومية العلمانية.

 

(13) ما العولمة:الاقتصاد العالمي وامكانيات التحكم بول هيرست وجراهام طومبسون

 (14) انظر مقال:مستقبل السياسة فييرفيتجرو مجلة الثقافة العالمية ع 106

 (15) الثقافةالعربية و عصر المعلومات د.نبيل علي

 (16)نهاية اليتوبيا:السياسةو الثقافة في زمن اللامبالاة ص65 د.راسل جاكوبي.

(6) أنثوية العلم :العلم من منظور الفلسفة النسوية : ص 231 د. ل.ج . شيفرد

(7) الثقافة العربية وعصر المعلومات د. نبيل علي 

(8) المصدر نفسه 

(9)(10) أنثوية العلم : ص 46- 54

 (11) المصدر نفسه : ص 89

 (12) المصدر نفسه : ص 306

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : جماعة العدل و الاحسان, مدرسة العدل و الاحسان باوروبا, مقالات مختارة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر