ألا يعلم من خلق و هو اللطيف الخبير

 
المعتقلون الإثنا عشر... من السجن إلى الحرية


ملاحظات على المراجعات بقلم : فهمي هويدي

كتبهامختارات ، في 19 ديسمبر 2007 الساعة: 18:49 م

القضايا التي تطرحها مراجعات الجهاديين أهم بكثير من المحتوى الذي قدمته‏,‏ الأمر الذي يدعونا بدورنا إلى مراجعة الكثير من مواقفنا وحساباتنا‏.

‏في منتصف الخمسينيات حين كان الشيخ محمد أبو زهرة يلقي علينا محاضراته في الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق‏,‏ سألنا ذات مرة عن الفرق بين المسلم الكيس الفطن‏,‏ والمسلم (كيس القطن)‏,‏ ولم ينتظر منا إجابة لأنه أجاب قائلاً‏: إن الفرق بين الاثنين هو ذاته الفرق بين المسلم الذكي والمسلم الغبي‏,‏ وقد تطرق إلى الموضوع حين استطرد ذات مرة ليشرح لنا مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ فقال: إن المسلم الغشيم هو الذي يندفع إلى محاولة التغيير باليد لشيء لا يقدر عليه‏,‏ أو ينهى الناس عن أمر فيتحولون إلى ما هو أسوأ منه‏,‏ وروي لنا في هذه المناسبة قصة شيخ الإسلام "ابن تيمية" رحمه الله، في الشام‏,‏ حين مر على قوم من التتار كانوا قد شربوا حتى سكروا‏,‏ فقال له أحد أصحابه: لماذا لا تنههم عن شرب الخمر‏؟‏ فرد عليه قائلاً‏:‏ دعهم كما هم؛ ‏‏لأنهم إذا أفاقوا عاثوا في الأرض فسادًا‏,‏ وخلص من القصة إلى أن شيخ الإسلام، وازن بين المصلحة والمفسدة‏, وبين الضرر الأدنى والضرر الأكبر، في تعامله مع الواقعة‏‏,‏ وعلّم من حوله أن المسلم الكيس والرشيد هو من يحسن التعامل مع الواقع‏,‏ من خلال ضبط الموازنات وتحديد الأولويات‏,‏ ومراعاة المقاصد والمصالح من منظور شرعي,‏ أما الذي يحفظ النصوص ويتعامى عن الواقع فهو المسلم الغبي‏,‏ الذي لا يختلف في شيء عن كيس القطن‏.‏

هذا الكلام قرأته في كتابات آخرين من الأساتذة والشيوخ‏,‏ من أمثال عبد الوهاب خلاف، وسلام مدكور، ومحمد مصطفي شلبي، ومحمد الغزالي، ويوسف القرضاوي‏,‏ الذي كان أكثر من فصل في الموضوع وأصل لفقه الأولويات والموازنات‏,‏ وحين كنت أقلّب في كتب الأقدمين كنت أجده مبثوثًا في جنباتها بصياغات مختلفة‏,‏ خصوصًا في مؤلفات الحافظ ابن القيم، وشيخه ابن تيمية، وأبي حامد الغزالي والإمام الجويني وآخرين‏.‏

ومازلت أحتفظ بكتاب صغير كنت قد قرأته في أوائل الخمسينيات‏(‏اشتريته بخمسة عشر قرشًا‏)‏ حول حق مقاومة الحكومات الجائرة في المسيحية والإسلام‏,‏ لمؤلفه الدكتور محمد طه بدوي‏,‏ الذي كان حينذاك أستاذًا مساعدًا بكلية التجارة في جامعة فاروق الأول‏(‏ الإسكندرية لاحقا‏),‏ وتحدث عن موقف فقهاء المسلمين من أنظمة الحكم وانحياز أغلبهم إلى موقف درء الفتنة‏,‏ اهتداءً بمبدأ ترجيح المصلحة على المفسدة‏.‏

هذه الخلفية استعنت بها فيما كتبته لاحقًا‏(‏ قبل ربع قرن‏)‏ عن فقه التغيير والإنكار‏,‏ وهي المقالة التي أصبحت فصلاً في كتاب صدر لي في عام‏1986‏ تحت عنوان التدين المنقوص‏.‏‏

* ما دعاني إلى استحضار ذلك التاريخ أنني حين اطّلعت على وثيقة ترشيد العمل الجهادي التي شغلت الرأي العام خلال الأسابيع الأخيرة‏,‏ وكتبها منظّر الحركة الدكتور سيد إمام الشريف‏,‏ الذي اشتهر بأسماء أخرى‏,‏ وجدت أن الكلام المنشور ليس جديدًا عليّ‏,‏ وانتهيت إلى أن ما اعتبرته وسائل الإعلام فتوحات فكرية هو جزء من المعارف التي حصلها أمثالي من الشباب الذين انشغلوا بالشأن الإسلامي منذ نصف قرن على الأقل‏,‏ بل كان جزءًا لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية التقليدية لدى أهل السنة والجماعة‏.‏

لم أفاجأ مثلاً بالتنويه إلى أن التكليف منوط بالعقل والعلم والقدرة‏,‏ ولا بالنهي عن استخدام العنف في مواجهة الحكام ببلاد المسلمين‏,‏ أو بالنهي عن قتل المدنيين المسلمين أو التعرض بالأذى للأجانب السائحين‏,‏ ولم أجد إضافة إلى معلوماتي في شأن تكفير المسلمين أو ضوابط وأسس التعامل مع غير المسلمين‏,‏ التي ألفت فيها قبل عشرين عامًا كتابي "مواطنون لا ذميون"‏,‏ وهذه كلها عناوين أساسية في الوثيقة‏,‏ تخلى فيها كاتبها عن الأفكار التي تبنتها مجموعات الجهاد الإسلامي في مشروعها‏,‏ وحين قلت إنها لم تضف إلى معلوماتي شيئًا فإنني لا أتحدث عن أمر يخصني وحدي‏,‏ وإنما قصدت أنها لا تضيف شيئًا إلى معارف الباحثين المسلمين العاديين‏,‏ ممن نهلوا من منابع ومراجع مدرسة الوسطية الإسلامية التي ينتمي إليها غالبية أهل السنة والجماعة‏.‏

ولا أريد أن أقلل من شأن الوثيقة‏؛‏ لأنها تمثل انقلابًا في أساسيات مشروع جماعات الجهاد‏,‏ وانتقالاً به من فكر الفرقة إلى فقه الأمة‏,‏ وهي من هذه الزاوية مهمة للغاية لكل الفصائل التي انخرطت في المشروع وانطلقت من تعاليمه‏,‏ ولا تقل في أهميتها عن مراجعات الجماعة الإسلامية التي صدرت قبل عشر سنوات‏,‏ وكلها تهدر فكرة العنف وترفض التكفير‏,‏ وتتحرى سبلاً جديدة للتصالح مع المجتمع‏,‏ تتوافق مع ما اصطلحت عليه الأمة وتعايشت في ظله منذ قرون‏,‏ إلى جانب ذلك‏,‏ فمن الإنصاف أن نشيد بشجاعة الرجل الذي تبنى هذه المراجعات‏,‏ ولم يتردد في نقد الأفكار التي سبق أن تبناها‏,‏ مؤثرًا العودة إلى الحق الذي أدركه‏,‏ بدلاً من المضي العوج في الذي بدأه‏.‏

*‏ لماذا كان العوج؟ ولماذا كانت المراجعات؟‏..‏ شغلتني إجابة السؤالين بأكثر مما شغلني محتوى الوثيقة برغم أهميته‏,‏ وقد وقعت على إجابة السؤال الأول في ثنايا دراسة مهمة تضمنها كتاب دليل الحركات الإسلامية‏,‏ الذي أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام في العام الماضي‏(2006),‏ والدراسة عن منظر حركة الجهاد وصاحب المراجعات التي بين أيدينا الدكتور سيد إمام‏,‏ حدثتنا الدراسة عن أزمتين عانى منهما منظر الجهاديين‏,‏ أولاهما أزمة في الفكر وثانيتهما أزمة لدى الشخص الذي استقال غاضبًا من قيادة تنظيم الجهاد في عام‏1993,‏ فأوغل في تكفير الآخرين وتشدد في ضوابط تطهير المسلم مما يشوب عقيدته‏,‏ لكي يصبح مؤهلاً للانضمام إلى الفرقة الناجية‏.‏

إذا حاولنا أن نجيب عن السؤال لماذا كانت المراجعات‏,‏ فسنجد أن السبب الرئيسي لذلك أن الرجل رأى بأم عينيه أن مشروعه حقق فشلاً ذريعاً وأنه كلف الأمة ثمنًا باهظاً من دماء وأرواح أبنائها وعرض مجتمعاتها لويلات وأحزان كانت في غني عنها‏,‏ وهو ما صدمه وجعله يفتح عينيه علي الدائرة الأوسع‏,‏ متجاوزاً بذلك الفرقة الاستثنائية التي تقوقع في داخلها‏,‏ وحين خرج من النصوص إلى الواقع‏,‏ ومن ضيق الفرقة إلى سعة الأمة‏,‏ فإنه رأى المشهد من زاوية مغايرة تمامًا‏,‏ وكانت النتيجة أنه قرأ النصوص التي انطلق منها من منظور مغاير رأى فيه الواقع بمتغيراته والتكاليف بأولوياتها وموازناتها‏,‏ والمدارس الفكرية بثرائها وتعدد اجتهاداتها‏,‏ وهو ما أوصله إلى مشارف فقه الأمة‏,‏ الذي بدا فيه فقه الفرقة مجرد نقطة في بحر كبير بلا شطآن‏.‏

* لاحظت أيضًا أن أغلب مؤسسي المجموعات الجهادية والجماعة الإسلامية كانوا من النابهين في الكليات العملية‏(‏ عدد غير قليل منهم كانوا من صعيد مصر الذي يعد أحد منابع الغلو‏),‏ فسيد إمام صاحب المراجعات وأيمن الظواهري وناجح إبراهيم تخرجوا في كلية الطب‏,‏ وعبد السلام فرج كان مهندسا وكذلك صفوت عبد الغني‏,‏ وأسامة رشدي تخرج في الصيدلة‏,‏ وشكري مصطفي تخرج في الزراعة‏,‏ وكرم زهدي درس التعاون الزراعي وعصام القمري كان ضابطًا‏,‏ وكذلك عبود الزمر‏..‏ وهكذا‏,‏ هؤلاء جميعًا اتصلوا بالعلوم الشرعية إما في أثناء دراستهم في الجامعات أو بعد تخرجهم‏,‏ ولأنه لم يتوافر لهم نصيب من الثقافة الإسلامية الوسطية‏,‏ التي صاغها فقه الأمة‏,‏ فقد كان طبيعيا أن ينجذب أمثالهم من الشباب إلى ذلك الفكر ويوغلوا فيه‏,‏ إلى الحد الذي أوصلهم إلى ما وصلوا إليه‏.‏

هذا التحليل إذا صح‏,‏ فإنه يقودنا إلي خلاصة مهمة تتمثل في خطورة‏,‏ فكرة تجفيف الينابيع التي تبنتها بعض الأطراف المشتبكة مع التيار الإسلامي‏,‏ حيث أثبتت التجربة التي نحن بصددها أن ذلك التجفيف من أهم العوامل التي تشجع على التطرف والإرهاب‏,‏ في حين أن التدين الرشيد هو الذي يقوي مناعة الشباب ويحصنهم ضدهما‏.‏

ثمة خلاصة أخرى يتعين الانتباه إليها‏,‏ وهي أن هذا الجيل من الشباب العربي الذي كان يحلم بالمجتمع المثالي‏,‏ واندفع في طريق العنف ليحقق التغير الذي ينشده‏,‏ حين يكتشف خطأ الطريق الذي تنكبه‏,‏ فإننا ينبغي ألا نكتفي بذلك‏,‏ وإنما يجب أن نوفر له طريقًا بديلاً يعطيه أملاً في إمكان إحداث التغير المرجو بالطرق السلمية‏؛ لأن تيسير الحلال هو أنجع الأساليب لقطع دابر الحرام‏.

 

المصدر: البشير للأخبار

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “ملاحظات على المراجعات بقلم : فهمي هويدي”

  1. اشكرك علي زيارتك لمدونتي وسأكون دوما متابع مدونتك ومعلقا علي جميع مقالاتها الشيقه اخيك محمد

  2. السلا م عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.

    حبذا لو ان أغلب من يجعلون من الغلو الفكري و العنف طريقا للتغيير أن يقرؤوا هذا المقال وينظروا الى الأمر من خارج الدائرة المغلقة التي يعيشون فيها .

    التربية والحلم و التعامل مع الواقع بمنطق التسديد و المقاربة هي أنجع الوسائل للتغيير.

    الهم فرج الغمة عن الأمة.

    وجزاكم الله على المواضيع المختارة.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر