| أحمد زهران | |
يُروى عن عبد الله بن المبارك (رحمه الله) أنه خرج مرة إلى الحج، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائر معهم،، فأمر بإلقائه على مزبلة، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها، فأخذت ذلك الطائر الميت، فكشف عن أمرها وفحص، حتى سألها، فقالت: أنا وأختي هاهنا، ليس لنا شيء إلا هذا الإزار، وقد حلت لنا الميتة، وكان أبونا له مال عظيم، فظلم وأخذ ماله وقتل. فأمر ابن المبارك برد الأحمال، وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ فقال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو، وأعطها الباقي، فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع. (البداية والنهاية لابن كثير، ج 13، ص: 611). تقول بعض الروايات: حين عاد الحجيج ذهب ابن المبارك ليهنئهم بسلامه العودة، فقالوا له: نهنئك أنت يا ابن المبارك فقد كنت معنا في كل موقف وعند كل نسك!! فقال لهم هل رأيتموني؟ فيقولون له: نعم لقد هيأ الله سبحانه وتعالى ملكا على صورتك فحج عنك جزاء صدقتك على اليتامى. كلما جاء موسم من مواسم الحج، وانطلقت أفواج الحجيج طائعة ملبية، ارتفعت حرارة المشاعر، وهاجت رياح الأشواق، وعلت أصوات المحرومين بالنداء: يا راحلين إلي البيت العتيق لقد سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا إنا أقمنا على عذر وعـن قدر ومن أقـام على عذر فقـد راحـا هؤلاء الذين احترقت قلوبهم شوقا إلى بيت الله الحرام، وسالت دموعهم على خدودهم وهم يرون الحجاج يطوفون ويلبون، فلا تجد لهم سنا ضاحكا، ولا جفنا مغمضا، ولا بالا مستريحا، ولا نفسا هانئة. هذا الصنف من الناس تعلقت قلوبهم ببيت محبوبهم، فكلما ذكر لهم ذلك البيت حنوا، وكلما تذكروا بعدهم عنه أنوا، فهؤلاء كالذين قال الله فيهم: "ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون" (التوبة 92). يا راحلين إلـى منـى بقيـادي هيجتموا يوم الرحيـل فـؤادي سرتم وسار دليلكم يا وحشتـي الشوق أقلقني وصوت الحـادي علم الله هذا من حالهم فمن عليهم بأعمال تثلج صدورهم، وتطفئ نار الشوق والحنين إلى بيت رب العالمين، فشرع لهم من الأعمال ما يعطيهم به أجر الحجاج والعمار، وهذه الأعمال كالماء البارد على الظمأ، وهي البلسم الشافعي والدواء الكافي التي تروي غليل القلوب المشتعلة شوقا لرؤية البيت العتيق، ومسجد الحبيب (صلى الله عليه وسلم)، وإليك طرفا من هذه الأعمال: 1- أداء الصلاة المكتوبة في المسجد أخرج الإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من مشى إلى صلاة مكتوبة في الجماعة فهي كحجة ومن مشى إلى صلاة تطوع (أي صلاة الضحى) فهي كعمرة نافلة". وأخرج أبو داود من حديث أبي أمامة أيضا أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من خرج من بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إلى تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر، وصلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين". (والمقصود بتسبيح الضحى: يريد صلاة الضحى وكل صلاة يتطوع بها فهي تسبيح وسبحة. ومعنى: لا ينصبه: أي لا يتعبه ولا يزعجه إلا ذلك). فلا تتعجب من هذا الأجر، ولكن العجب كل العجب من يتوانى ويتكاسل عن هذا الأمر،، وانظر عندما يخرج المسلمون من بيوتهم متطهرين لأداء الصلاة المكتوبة في جماعة في المسجد وفي وقت واحد، ألا يشبه هذا خروج الحجيج من بيوتهم متوجهين بقلوبهم وأبدانهم إلى البيت المعظم لأداء مناسك الحج. فعندما يجتمع الحجاج صغيرهم وكبيرهم لا تجد فرقا بين هؤلاء وهؤلاء، كذلك في الصلاة -صلاة الجماعة- يجتمع أغنى الناس إلى جنب أفقر الناس، والأمير إلى جنب المأمور، والحاكم إلى جنب المحكوم، والصغير إلى جنب الكبير.. وهكذا؛ فيشعر الناس بأنهم سواء. فكل من يحافظ على الصلوات يكون شريكا للحاج يوم حجه، فأجره كأجر الحاج المحرم، كما أخبر بذلك النبي (صلى الله عليه وسلم). فما أعظم أن يكتب لك هذا الأجر بجانب شهادة الله لك بالإيمان، وكفى بشهادة الله شهادة إذ شهد لمن عمر المساجد بالإيمان، فقال عز شأنه: "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة". (التوبة:18) 2- الجلوس بعد الفجر وذكر الله تعالى أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "من صلى الفجر في جماعة ثم جلس يذكر الله عز وجل حتى تطلع الشمس، ثم قام فصلى ركعتين كتب له أجر حجة وعم |























