بسم الله الرحمان الرحيم
من السيد الضعيف , المفتقر إلى ربه , الحاج العباس القادري , إلى أبنائه وإخوانه في الله أبنائي و إخواني في الله.
تعلمون من طبيعتي الصَّمتًَََُ , والإقلالُ من فضُول القول , لكن بعض التّساؤلات من قِبَـَلِكُم , قد تقتضي مزيداً من النصائح , وتستدعي زيادة التوضيح , لأشياءَ قد كنت وضحتها عن هذه الدعوة إلى الله , التي حَمَّـلتني القدرة الإلهية منذ سنوات أمرها.
أبنائي إخواني في الله .
لعلكم تدركون من خلال مذاكراتنا السابقة , أنَّ الطريقة الصوفية التي دأب عليها أسلافنا , منذ قرن و نصف , هي الطريقة القادرية , التي تعد بركة من بركات العارف بالله , المربي بسر الله , الحاصل على مدد رسوله : جدنا الأعلى ، مولاي عبد القادر الجيلالي ، نفعنا الله ببركته.
ولعلكم تعلمون كذلك ، أنني في الوقت الذي هيأت فيه يد القدرة الإلهية من بين أفراد العائلة من يقوم بتأدية الرسالة ، في متابعة طريقة الأجداد وجدت أنا نفسي منصرفا إلى القيام بمهام الحياة فانشغلت بالفلاحة.
ومن الحق أن مهام الحياة ، حالت دوني في شبابي ودون إشباع نهمي في العلم ، فاقتصرت على معرفة ما يلزم معرفته بالضرورة ، من أمور الشرع ، وقراءة القرآن ، وأحكام الحلال والحرام . ومن فضل الله علي أنني لم أٌحْرَم من إدراك مقاصد الآيات و الأحاديث و الاطلاع على ما تَيَسَّر من سيرة الرسول و أخلاقه وأحوال صحابته ، و على بعض ما أٌثِرَ على السلف الصالح من الأقوال و الأفعال.
وبذاك تدركون أنني لست بشخص يَدَّعي ، ولا بِعالمٍ ينصب نفسه للفتوى ، و لا بمحَدِّثٍ يتَصَدَّى لإرشاد الناس عن طريق شرح الكتاب والسنة . فتلك مهمة العلماء المختصين في دراسة النصوص ، و العُكُوف على فحصها ، و معرفة صحيحها من سقيمها.
وإنما علاقتي بكم علاقة روحية تربوية أخلاقية ، أساسها الصحبةُ في الله ، والمحبةُ من اجله ، و الاجتماعُ على ذكر الله ، و التعرضُ لنفحاته ، و الاشتياقُ إلى معرفة الله ، و الكَرَعُ من مَدَدِ رسوله ، بغية طهارة القلب ، وصفاء السَّريرة ، وتقوية الباطن ، وتنويره بنور الإيمان. ثم ما ينتج عن ذلك ، من إلهام بالدين وصلاح الأخلاق ، وكُلِّ الأعمال و التصرفات ، إذ بصلاح الباطن يكون صلاح الظاهر. فمن حديث النبي صلى الله عليه و سلم " ألا و أن في الجسد مضغة ، إذا صلحت ، صلح الجسد كله ، وإذا فسدت ، فسد الجسد كله ألا و هي القلب ".
ولهذه الغاية الشريفة وحدها ، ينبغي للعبد الصادق في طلبه ، أن يفوض الأمر، ويقوي العزم ويقصد ربه ، دون تشوف إلى ماذا سيختاره الله لعبده. و يَشْهَدُ اللهُ وملائكته ، أَنَّنِي يوم جِئْتُ شيخي ووالدي الروحي سيدي أبي مدين رحمه الله ، لَمْ يَجُلْ ِبخُلدِى، و لاَ مَرَّ بخاطري أن أكون يوماً أهلاً لأنْ أِرثَ سِرَّه ، ولا أن أقوم بعده ، بدعوة أو إرشاد . بل جئته صادق الطلب ، وأسلمت له زمام نفسي ليساعدني على معرفة حقيقتها، ويعينني على إزالة الحجب التي تحول بين العبد و ربه . وأنَّى للحجب أن تزول ، بدون تربية روحية صالحة ، يلتقي فيها صِدقُ الدعوة مع صِدقِ الطلب.
إن نشأتي في أحضان الطريقة القادرية. طريقة الآباء و الأجداد ، وفي كفالة والدي رحمه الله على ما عرف به من الصلاح ، لم يعقني من تجديد العزم ، والرغبة في التماس المربي ، باعتباره السبيل المجدي إلى طريقة السلوك والتدرج في المقامات. و من قبل كانت لي أسوة حسنة ، و قدوة صالحة في جدي الثالث (الحاج المختار الثاني ) الذي سلك نفس السبيل . فقد وفقه الله ، واسلم زمام نفسه إلى مرب من ذوي المقامات الروحية العليا في عصره ، رغم نشأته في أحضان الطريقة والتصوف ، فأراه الله على يده من فضله وتيسيره ، ما جعله يصل إلى مقام الحصول على الإذن في اسم الله الأعظم ، فتجددت التربية في يده ، وعُدَّ بذلك من المربين. لكن قبيل وفاته نصح ابنه بالتخلي عن اسم الله الأعظم ، وعن التربية والعودة إلى التبرك. لان ابنه لم يصل بعد إلى مقام التربية. و من ثم يبدو أن من علامات المربيين يستقل عن أساليب مَن قَبْلَهُ، بالتصرف في وسائل التربية الروحية ، وان يحصل على مقام الإذن في اسم الله الأعظم ، دون حصر ولا عدد. ومن قديم كان المربون ينصحون غير الواصلين من أصحابهم بالبحث عن هذا النوع بعد موتهم ، ليتابعوا سيرهم نحو السلوك والتدرج. ولذلك أنصحكم بالاتصال بمن جاء بعدي ، حتى لا تقف بكم النفس عن متابعة السير. ومن طَلَبَ رَّبَهُ بِصِدْقٍ وإخلاص طَلَبَهُ في كل مكان ، واستعان على معرفته بكل من اظهر فضله على يده.
نعم ، صاحبت سيدي أبي مدين رحمه الله بصدق وإخلاص ، وعاشرته معاشرة خالية من كل حظ أو تشوف ، أجد روحي وراحتي في مجالسته ، لأنني أحبه ، وأحبه حبي لوالدي أو أشد. و ما وعيت أنني خالفت مرة أمره ، أو أهملت إرشاداته التربوية . فهو أهل لكل اقتداء . فقد كان من أخلاقه رحمه الله التواضع و القناعة والزهد في الدنيا ، وكان من سيرته التمسك بالسنة ، وعُرف عند الجميع بالتشدد في أمور الشرع إلى أبعد الحدود ، يغضب لأدنى مخالفة شرعية ترتكب أمامه. كان قويا في ذات الله ، وكان لا يقبل من بين المريدين ، من تهاون في أمر من أمور الدين ، أو استهان بسيرة سيد المرسلين.
أبنائي إخواني في الله
هذه صورة صغيرة مقتضبة ، تحكي لكم قصة اتصالي بشيخي ووالدي الروحي سيدي أبي مدين رحمه الله ، و تروي لكم الأثر الطيب الذي تركته تربيته في نفسي ، وبواسطتها ستتعرفون على شيء من حياته و سيرته وأخلاقه التي لامناص لكم من التخلق بمثلها إذا رمتم الصلاح والكمال ، وعلى ضوئها تتشخصون كذلك العلاقة الروحية ، والمحبة القلبية التي تجمعني وإياه .
ولا أكتمكم أن أهم محاورة جرت بيني و بينه ، كانت فيما يتصل باستمرار رسالته التربوية بعد موته. فقد كان رحمه الله يربي الأرواح الطاهرة بعد مرحلة تصفية الباطن وتطهيره عن طريق ذكر الله الذي ارشد إليه الكتاب و السنة بواسطة اسم الله الأعظم ، لأنه من المأذونين لهم في التربية. والإذن في اسم الله الأعظم دون حدٍّ ولا عدد ، يعتبر منزلة جليلة ، قد لا ينالها إلا ذوي المقامات العليا من العارفين ، و خاصة الخاصة من عباد الله الصالحين .
وجدير بمن كانت هذه حالته، في التمسك بالسنة ، والسير على هدي الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهدي صحابته ، ممن اجتباه الله لحضرته ، وأيده بتيسيره وتوفيقه ، أن يجرى فضله وأسباب هدايته على يديه ، وان يصلح به الدين ويقيم به الاعوجاج ، ويحيي به السنة.
أما من قصرت همته وحاله عن مثل تلك المقامات ، ولم تسقه القدرة الإلهية القاهرة إلى التكليف بتربية عباده ، وإرشادهم ، فأولى به إن يعمل أولا على صلاح ذات نفسه ، ثم يبدأ بمن يعول . فجريان أسباب البداية على يد البشر، ورحمة الله الناس بعضهم ببعض ، من الحكم الإلهية التي لازالت العقول البشرية تحار في فهمها .
نعم ، إن أهم محاورة جرت بيني و بين سيدي أبي مدين رحمه الله ، أن ندبني آخر حياته للمسؤولية وحَمَّلَنِي الأمانة وكلفني بأمور التربية بعده فلم أقبل وامتنعت وألح علي فاعتذرت و أشرت لمن هو أولى بها وأحق . وأبى رحمه الله ثقة بي إلا أن أتحملها طوعا أو كرْها ، فسكت مراعاة للأدب.
وفعلا توفي سيدي أبي مدين رحمه الله سنة (1375) ولم أجد إثر وفاته ، في طبيعتي التي تميل إلى الصمت ، ومزاولة الأعمال أيَّ استعدادٍ للقيام بالواجب . مع شديد تخوفي من تضييع المسؤولية والتهاون في أداء الأمانة. ويالها من مسؤولية جَسِيمَةٍ مع وَهَنِ العظم وضُعف الجسم وكِبَر السَّنِّ ولكن ما العمل؟ فقد بقيت على طبيعتي ساكتا نحو خمس سنوات ، بعد موت سيدي أبي مدين رحمه الله ، ولم أر لنفسي أية أهلية للإقدام على أمور التربية ، و لم اشعر في نفسي بنفس الثقة التي وضعها في . بل كنت أرى بنفسي اضعف تلاميذه ، وأحوجهم إلى التعرض للفضل والرحمة . ولكن لأمر أراده الله ، ولِيَعْلَمِ العبدُ أن إرادة الله فوق إرادته ، وان قوة أخرى غير قوته تسيره ، كان من الدواعي والأسباب ، ما ألزمني القيام بالواجب .
ففي سنة ثمانين وثلاثمائة وألف (1380)، حضرت مجلسا من مجالس الذكر، فشاهدت أشياء تتصل بالتربية ما كان لها أن تقع ، لو بقي سيدي أبي مدين مربيا روحيا على قيد الحياة ، أو بقيت وسائل تربيته الروحية مستمرة بعد موته . ثم إنني شعرت أنني حملت مسؤولية لابد من تأديتها ، وان الأشياء التي تقع أمامي في ميدان التربية الروحية ، سوف أُسأل عنها أمام الله ، إن أنا تغاضيت ولو أحاول علاجها فقبلت لذلك أن آذن في الذكر و في الاسم ، لمن عرف بوصية سيدي أبي مدين، وكان يراودني عن ذلك منذ وفاته. وبذلك ظهر هذا الأمر وعرف. وتوافد عليه الناس من كل صوب وحدب .
و من لطف الله بنا وبكم ، أننا لم نوص في هذا الأمر باتخاذ شكل من أشكال الاصطلاحية مما اعتاده أصحاب المعني عند الأقدمين ، يوم كانت العزائم قوية ، ويوم كان التخشن والعزلة والمجاهدة المضنية أساسا للتغلب على النفس وإزالة حجبها. وقد علم الله ضعفنا ، وكثرةَ مشاغلنا في هذا العصر فألهمنا بفضله أن جَمَاعَ الأمر كله في الذكر وحسن العبادة ، وان خلوة المؤمن في قلبه ، وان الإكثار من ذكر الله مع القيام بكل الواجبات الدينية ، والوقوف عند الحدود الشرعية ، كفيل بطهارة القلب والتغلب على طاغوت النفس وإزالة حجبها. ولاشك أن هذا التسيير المنبثق من روح السنة ، والمساير لمشاغل الناس في هذا العصر ، كان إحدى الأسباب التي مكنت الناس على اختلاف طبقاتهم من الاستفادة من هذا الأمر ويعتبر هذا الأسلوب في التربية من تمام إرشادات سيدي أبي مدين رحمه الله . فقد رآني مرة أشقى ، وأحاول ما فوق مقدرتي ، فنهاني ،فقال " دخلنا على التربية من باب الجلال فتعبنا ، ودخلت أنت من باب الفضل والجمال ، فالزم ولا تبرح " .
وكذلك كان الأمر، فقد طرحنا بعده سبيل الشدة والانعزال ، ولم نأخذ من الوسائل إلا الذكر والاجتماع لأجله ، فتيسرت الأمور بحمد الله ، ولم يمر على هذه الدعوة إلى الله ، إلا مدة يسيرة ، حتى استنار بسببها قلوب خلائق ممن حسنت نواياهم ، وشرفت مقاصدهم ، ولم يدنسوها بحظ نفسي أو غرض دنيوي .
وذكر الله والاجتماع لأجله ، ليس بشيء جديد عن الإسلام . وإنما هو شيء ارشد إليه القرآن في كل المواقف ، وفي جميع الأحوال. ويكون إما بالقلب أو باللسان أو بالتذكر وعدم الغفلة قال الله جل جلاله " ومن يعش عن ذكر الرحمان نقيض له شيطانا فهو له قرين" وقال عز من قائل "ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا فاتبع هواه وكان أمره فرطا" وقال " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويفتكرون في خلق السماوات والأرض" وقال "..رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة " وقال " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا" وقال " فإذا قضيتم الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون" وقال " إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين امنوا صلوا عليه وسلموا تسليما "
وكذلك السنة ، فقد أرشدت إلى ذكر الله فرادى وجماعات سرا وعلانية قال مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم : يقول الله ( أنا عند ظن عبدى بي ، وأنا معه إذا ذكرني ، فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وان ذكرني في ملا ذكرته في ملا خير منه) وقال صلى الله عليه و سلم " يا أيها الناس إن لله سرايا من الملائكة تحل وتقف على مجالس الذكر في الأرض ، فارتعوا في رياض الجنة ، قالوا وأين رياض الجنة ؟ قال مجالس الذكر ، فاغدوا وروحوا في ذكر الله . وقال صلى الله عليه و سلم " ما من قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة ، وغشيتهم الرحمة ، ونزلت عليهم السكينة ، وذكرهم الله فيمن عنده " إلى غير ذلك من الآيات الكريمة ، والأحاديث النبوية الشريفة.
وهكذا كان الكتاب والسنة يرشدان إلى ذكر الله والدعوة إلى الاجتماع على الله والمحبة من اجله وإذا كان من سرٍّ خافٍ في الاستفادة من الدعوة إلى الله، في أي عصر من العصور، وثَم الانتفاع بها والاستفادة من هديها وإرشادها فهو يكمن في الصدق والإخلاص ، ومعاملة الخالق جل جلاله بما يعلمه في السرائر، وما تخفيه الصدور، لأنه تعالى لا ينظر إلى صور العباد ، وإلى أقوالهم ومظاهر أفعالهم ، ولكن ينظر إلى قلوبهم ونواياهم . وفي طريقه لا يكفي قول الخير أو ادعاء العمل به ولكن العبرة بثبوته في القلب واستقراره في النفس . قال تعالى " إن يعلم الله في قلوب
المزيد